فتش عن السياسة

لماذا يجرؤ بعض السياسيين على اتخاذ قرارات اقتصادية صعبة فى وقت معين، ويرجئها آخرون لأجل غير مسمى؟

يظن البعض أن الإجابة تتوقف على معرفة ما يجب عمله، أو أنها تتوقف على شجاعة البوح من جانب المقربين من صناع القرار، أو أنها إلهام ينزل على القادة من السماء. ظنى أن مفتاح الإجابة الحقيقى هو «السياسة»، وليس أيا من هذه الإجابات.

بشكل محدد، أزعم أن الظروف الموضوعية تفرض وجوب اتخاذ قرارات صعبة فى وقت معين، لكنى أزعم أيضا أن اتخاذ هذه القرارات لا يتم إلا بشروط تتوافق مع استمرار الحكام فى مناصبهم، وأزعم أخيرا أن ما يتخذ من قرارات لا يخلو من تحيزات سياسية مسبقة. وفيما يلى شرح لمبررات هذه المزاعم.

فيما يتعلق بالظروف الموضوعية، تكشف تجارب الدول المختلفة أن احتمال اتخاذ قرارات صعبة يزداد فى أعقاب الأزمات، أو عندما تتولى قيادات سياسية جديدة سدة الحكم، أو استجابة لمطالب شعبية واسعة النطاق. للتدليل على ذلك، ألم تكن الأزمات الاقتصادية التى عصفت بالأرجنتين، والمكسيك، وروسيا، ودول شرق آسيا، واليونان، وأمريكا فى العقود الأخيرة سببا فى اتخاذ قرارات مؤلمة؟ وألم يكن انتقال القيادة بشكل عاصف فى دول أوروبا الشرقية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتى سببا فى تحول جذرى فى التوجهات الاقتصادية لهذه البلاد؟ وأخيرا، ألم يتسبب خروج قطاعات عريضة من المصريين إلى الشارع فى سبعينيات القرن الماضى فى الرجوع عن رفع الأسعار، وفى الآونة الأخيرة، خروج ذوى السترات الصفراء فى فرنسا فى الرجوع عن فرض ضرائب جديدة؟

لكن توفر الظروف الموضوعية لا يعنى بالضرورة أن النخب الحاكمة سوف تختار دائما الاستجابة الواجبة. بناء على دراسة قمت بها مع مجموعة من الباحثين، وتم نشرها فى كتاب بالإنجليزية تحت عنوان «بيروقراطيون فى قطاع الأعمال» عام 1994، يقبل السياسيون على اتخاذ قرارات جريئة عندما تتوفر شروط سياسية ثلاثة:

أولا- أن يكون القرار مرغوبا سياسيا، بمعنى أن يكون متسقا مع مصلحة النخب الحاكمة. فى الدول الديمقراطية، هذا الشرط يعنى إرضاء جموع الناخبين؛ فى النظم غير الديمقراطية يكفى أن ترضى القلة الداعمة للنظام عن القرار، إضافة لما يكفى من إجراءات لكسب موالاة أو سكوت الأغلبية. استثناء لهذه القاعدة، قد يقرر بعض القادة فى النظم غير الديمقراطية اتخاذ قرارات محابية لجموع المواطنين، ولنا فى كوريا الجنوبية، وسنغافورة، والصين أمثلة حية على ذلك.

ثانيا- أن يكون القرار ممكنًا سياسيًا، وهذا يتطلب أن تتمتع السلطة التنفيذية بأغلبية منتخبة فى البرلمان، أو مؤازرة شعبية واسعة، أو قوة فرض القرار على المجتمع. وبشكل عام، من المعروف أن اتخاذ قرارات حاسمة ليس سهلا فى النظم الديمقراطية، إلا أن عملية التفاوض التى تتم بين جماعات المصالح المختلفة هى التى تضمن ميل هذه القرارات إلى أن تكون صائبة.

ثالثا- أن تتمتع النخبة الحاكمة بمصداقية الوفاء بوعودها المستقبلية، حيث إن معظم القرارات الاقتصادية تتسبب فى خسائر عاجلة وفوائد آجلة. هذه المصداقية تكتسبها الدول من تاريخ حافل بالوفاء بما قطعته على نفسها من وعود، وإلا وجدت نفسها مضطرة إلى الالتزام علانية بالوفاء بهذه الالتزامات تجاه إحدى المؤسسات الدولية.

الزعم الثالث والأخير هو أن القرارات الاقتصادية ليست بريئة من تحيزات سياسية مسبقة. ما يعضد هذا الزعم أن الأهداف الاقتصادية يمكن تحقيقها بأساليب مختلفة، وأن اختيار أحدها يحابى بالضرورة جماعات معينة على حساب جماعات أخرى. على سبيل المثال، إذا كان المطلوب هو تخفيض عجز الموازنة العامة، فهذا الهدف يمكن تحقيقه بزيادة الإيرادات (وأهمها الضرائب)، أو تقليل الإنفاق (وأهمها الخدمات العامة)، أو الاثنين معا. وإذا كان الاختيار فى شكل زيادة فى الضرائب على ذوى الدخول المرتفعة، وتخفيض فى الإنفاق على المرافق التى يستفيد منها أهل الحضر، فهذا تحيز للفقراء، والعكس صحيح.

محصلة ما سبق أننا إذا أردنا أن نفهم توقيت القرارات الاقتصادية وطبيعتها، فمفتاح هذا الفهم هو «السياسة»، وليس الرشادة الاقتصادية، ومن هنا كان اختيارى «فتش عن السياسة» عنوانا لهذا المقال. ومن هنا أيضا قناعتى بأن الإصلاح السياسى، فى مصر كما فى غيرها من الدول، يعتبر شرطًا أساسيًا لضمان سلامة واستدامة أى إصلاح اقتصادى.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>