صراع العروش !

وصف إشكالية شركة هواوي الصينية الأخيرة مع الولايات المتحدة بالأزمة العابرة هو تقليل منها وعدم تقدير لحجمها الصحيح، فهي تشكل صراعًا من نوع خاص فرضه التطور الطبيعي للآلة الصينية التي بدت أكثر نفوذًا وقدرة على التأثير الاقتصادي عالميًا.

إظهر لي رأسك كي أراك بوضوح”

هذا ما تفعله حاليًا الإدارة الصينية، بعد سنوات من العمل الصامت ووضع الرأس في الرمال لتكوين إمبراطورية عظمى على كافة المستويات دون إشكاليات أوصراعات سياسية تضعف قدرتها أو تشتت قوتها في ما لا ينفع، وهو ما قصرت فيه عمليًا الإدارة الأمريكية خلال العقدين الأخيرين بالاشتباك هنا وهناك والدخول في معارك خارج السياق، نتيجة ما فرضته عليها أيديولوجية “القوة العظمى” والرغبة في السيطرة على العالم.

وهو ماسمح بالفرصة للإدارة الصينية للتعلم من الأخطاء أمامها، وبات سلاح الاقتصاد هو أساسها في التعامل مع العالم، حتى أن الأذهان أصبحت معلقة بجملة “صنع في الصين“.

ومسألة هواوي واتهامها بالمساس بالأمن القومي الأمريكي، هي جزء من أزمة كبرى وصلت إلى تقديم الحكومة الأمريكية عددًا من المطالب إلى الصين، من بينها الحد من نمو المشروعات المملوكة للدولة، وهو ما يثبت بشكل واضح ما تحاول فعله الإدارة الأمريكية من وراء حربها التجارية مع الصين وهو غزو السيادة الاقتصادية الصينية الجامحة وإضعاف قدراتها لبعض الوقت.

لكن توصيف ما يحدث حاليًا ليس بيت القصيد، فالمستقبل هو ما يهمنا في الأساس.

فالحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، “أكبر اقتصادين في العالم”، تهدد استقرار الاقتصاد العالمي بشكل كامل، وتؤثر على معدل النمو للتجارة الدولية ومعدلات التصنيع وتدفقات رؤوس الأموال.

وللإدارة المصرية هذه ليست مسألة يمكن تجاوزها فهي علامات مبكرة لنوع النظام الجديد وقواعده ومدى ما يوفره من فرص وتحديات على العالم بشكل كامل، وتطرح تساؤلًا هامًا وهو على أي آليات سوف ترتب الأوضاع الجديدة؟.

فهذا مايجب أن ندركه ونعمل بمقتضاه .

فنحن نجحنا إلى حد كبير في إعادة ترتيب أوضاعنا الاقتصادية بشكل استثنائي خلال العامين الماضين، وهو ما تمثل في برنامج الإصلاح الاقتصادي وضبط السياسات المالية والنقدية، لكن نحتاج إلى مزيد من العمل على تنويع علاقاتنا الاقتصادية لتصبح أكثر صلابة ولا تتصل بشكل كامل بمصالح قوة واحدة.

تتمتع مصر وخاصة القيادة السياسية الحالية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي بعلاقات متميزة مع الجانب الصيني، ويظهر ذلك بوضوح في الزيارات المتبادلة بين الرئيسين المصري والصيني، وحرص جمهورية الصين على دعوة الرئيس السيسي للمشاركة في مناسباتها المهمة، حيث زار الرئيس السيسي بكين مؤخراً للمشاركة في قمة “الحزام – الطريق” التي تستهدف إعادة إحياء طريق الحرير التجاري القديم الذي كان يربط الصين بأغلب قارات العالم من خلال طريق تجاري ازدهر منذ عدة قرون.

وهنا يوجد فرص كبيرة لمصر في تعظيم استفاداتها من العلاقات الاقتصادية مع الصين، أول هذه الفرص ترتبط بإمكانية جذب رؤوس أموال ضخمة من الصين للاستثمار في السوق المصري، وتوجيه هذه الأموال لقطاعات اقتصادية مؤثرة ترتبط بالتصنيع، والموازنة بين مصالح مصر ومصالح الصين من حيث توجيه هذه الاستثمارات، فمن الطبيعي أن تسعى الصين لتوجيه هذه الاستثمارات لقطاعات البنية التحتية وللمناطق التي تخدم مصالحها خاصة المناطق الحدودية والموانئ باعتبار أن مصر واحدة من أهم الدول المتواجدة على طريق الحرير القديم، والتي تستهدفها الصين في مبادرة “الحزام – الطريق“.

ومع الاتساع الاستهلاكي الكبير للسوق الصيني، الذي يضم ثلث سكان العالم تقريباً تمتلك مصر فرصًا كبيرة لتحقيق زيادة مطردة في صادراتها لهذا السوق الضخم، ويمكن أن يتم تحليل سوق الصين واستخلاص أهم البنود السلعية التي يمكن تصديرها إليه خلال الفترة المقبلة.

الفرصة الأخرى التي تمتلكها مصر هي الاستفادة من التواجد الصيني القوي في قارة إفريقيا، وبالتحديد في دول إفريقيا جنوب الصحراء، ودول حوض النيل، التي تستهدف مصر بناء وتدعيم علاقاتها معهم خلال الفترة المقبلة، وكذلك خلال 2019 تزامنًا مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي.

على الجانب الآخر لابد أن تضغط مصر بكل قوتها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الجانب الأمريكي؛ وذلك في ظل سعى واشنطن لتدعيم علاقاتها بالدول المحورية في مختلف أقاليم العالم، لجذبها إلى صفها في مواجهة الانتشار والتوغل الصيني المتواصل على مناطق نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية.

وهنا لابد أن تضع مصر مجموعة من النقاط التي ينبغي أن تحسمها خلال الفترة المقبلة مع الجانب الأمريكي، أول هذه النقاط اتفاقية التجارة الحرة التي لم تحرز مصر تقدماً ملموساً في مفاوضاتها حتى الآن؛ نتيجة عدم حسم الجانب الأمريكي الموافقة على توقيع هذه الاتفاقية دون إبداء أسباب واضحة.

وهنا لابد أن تلعب العلاقات السياسية المتميزة لمصر مع الجانب الأمريكي دوراً هاماً في توقيع هذه الاتفاقية وحسم موافقة واشنطن عليها، خاصة في ظل التقارب الكبير بين رئيسي البلدين، ووجود العديد من المساحات المشتركة في توجهاتهما الخارجية.

حيث أنه إلى الآن تعتمد مصر في تصدير منتجاتها للولايات المتحدة على بروتوكول المناطق الصناعية المؤهلة الذي تم توقيعه عام 2004 بين مصر والولايات المتحدة، واشترط وجود مكون إسرائيلي في السلع المصرية تامة التصنيع لكي يمكن استقبالها في السوق الأمريكي بتخفيضات جمركية.

كما أنه قصر هذه السلع في عدد من البنود أغلبها من الملابس الجاهزة، الأمر الذي قيد من حركة تدفق السلع المصرية للسوق الأمريكي، وأثر بالسلب على فرص نمو الصادرات المصرية مقارنة بصادرات الدول الأخرى التي تمتلك اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة.

يأتي ذلك بالإضافة لضرورة تعزيز الاستثمارات الأمريكية في السوق  المصري، ودعم الولايات المتحدة لمصر في المحافل والمنظمات الدولية خاصة مع رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، وتحدثها بأسم أكثر من 50 دولة إفريقية تعاني من الفقر والتباطؤ الاقتصادي، واستنزاف مواردها بشكل كبير دون تحقيق الاستفادة المثلى لشعوبها.

فالولايات المتحدة لاتزال تملك العديد من المفاتيح التي يمكنها أن تضغط بها لتحقيق مكاسب للدول الإفريقية، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ الدول المتقدمة التزاماتها بتقديم 100 مليار دولار للدول الفقيرة؛ لتعزيز قدرتها في استراتيجية مواجهة التغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة الأرض.

كما أن الولايات المتحدة مازالت لاعب رئيسي في العديد من الدول الإفريقية التي تستهدف مصر بناء علاقات اقتصادية وسياسية عميقة معها خلال الفترة المقبلة، وبدون أدنى شك سيكون لدعم واشنطن لمصر دوراً هاماً في تعزيز العلاقات المصرية بهذه الدول.

الأهم هو أن تتبع مصر سياسة متوازنة تقوم على تعزيز علاقاتها بكلا المعسكرين الشرقي الذي تقوده بكين، والغربي الذي تقوده الولايات المتحدة؛ دون أن تنحاز بشكل كامل لأي من المعسكرين فتخسر المعسكر الآخر.

وعلى الرغم من صعوبة البقاء في المناطق الرمادية التي تشكل موقف الحياد تجاه الحرب الاقتصادية الباردة الجارية حالياً بين الصين والولايات المتحدة، إلا أنه يمكن من خلال بعض الأدوات أن نحفظ لأنفسنا دوراً مهما يمكن أن نلعبه إلى جانب الصين دون أن يضر بشكل مباشر المصالح الأمريكية في المنطقة، ودوراً آخرًا لا يقل أهمية يمكن أن نلعبه إلى جانب الولايات المتحدة دون أن يضر بشكل مباشر بالمصالح الصينية في المنطقة.

وهنا ينبغي تحليل هذا الوضع من خلال الدبلوماسية المصرية التي أثبتت على مدار الفترة الماضية قوة تفاوضية هائلة، وتطور كبير في مستوى تمثيل وظهور مصر الإقليمي والعالمي، وتحديد الأدوات التي يمكن لمصر الظهور بها واستخدامها، من أجل صناعة حليف لا عدو، ومن أجل تعزيز فرص النمو الاقتصادي في مصر، ودعم موقفها ونفوذها الإقليمي والدولي.

أثق في قدرة الدبلوماسيين المصريين على تحديد هذه الأدوات واستخدامها بالشكل الأمثل، ولكن الأمر يتطلب أن تتناغم كل مؤسسات الدولة، وأن ترتبط تحركات الدبلوماسيين بخطط متقنة توضعها الجهات الاقتصادية المتخصصة وتنفذها جميع أجهزة الدولة بحنكة ومهارة فائقة من أجل حماية مصالح مصر.

العالم يمر بمتغيرات خطيرة علينا التنبه لها، ومراعاتها، والتحوط ضد أي مخاطر محتملة يمكن أن تمس بوضعنا الإقليمي والدولي، أو حتى باقتصادنا المحلي ونتائجه.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>