عالمية المحلية !

 عند الوقوف على تجارب الدول الصاعدة أو التي حققت نموذج ناجح، نجد أن التضحيات قد دفعت، ونجد أيضا مدى الإيمان الذي تمكن من النسبة الأكبر لهذه الشعوب في الصعود وتحقيق النجاح بأي ثمن، ففي إدارة الدول لا توجد مشكلة بدون حل، ولكن لكل حل تكلفة تزداد بالإبطاء في اتخاذ القرار بشأنه.

 الدولة المصرية تقف حاليا على قدم ثابتة بعد عبور فترات عصيبة في تاريخها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، كان لها دور في رسم ملامح الفترة الحالية والتي تؤسس لعلاقة تكاملية بين المواطن والحكومة حول هموم الإصلاح والمشاركة في التغلب على التحديات التي تواجه الدولة، وهذا هو “بيت القصيد” فبدون شعب واعي لقضايا وطنه لن تجدي آلاف المحاولات في تحقيق نجاح يذكر.

 ونقف الآن على مسألة هامة متعلقة بالسنوات المقبلة، ما الذي نريده ونرغب في الوصول إليه في ظل عالم يشهد تغيرات نوعية على كافة المستويات، يسيطر عليه لغة المال في بسط النفوذ وقوة الاقتصاد كورقة رابحة على طاولة المفاوضات.

 كما أن الضغوط المالية التي تعاني منها اقتصادات الأسواق الناشئة، وزيادة حالة عدم اليقين بسبب ما يكتنف توجهات السياسات النقدية وأسعار الفائدة من غموض، والقيود المتزايدة التي تعترض حركة التجارة الدولية، ومخاطر زيادة الديون الخارجية تفرض واقعا جديدا يجب أن لا نغفل عنه في التأسيس لعلاقات دولية أكثر تكاملا وهو ماتعيه بشكل كامل الإدارة المصرية ووضح جليا خلال الفترة الماضية.

 أسئلة المستقبل عالميا تتشابه لكن الإجابات عليها تختلف من دولة لأخرى حسب نقاط القوة والضعف، ومدى القدرة على التغيير من خارج السياق.

 وهنا أرى أن عوامل القوة في الدولة المصرية التي يجب أن نعمل عليها خلال الفترة الحالية هو الانغراس في المحلية التي لها طابع خاص والتوجه نحو الداخل، وعمل خطة اقتصادية لكل محافظة على حده وهو ما نادى به الدكتور محمود محي الدين النائب الأول لرئيس البنك الدولي ووزير الاستثمار الأسبق.

 فالتعريف باتجاهات السياسة الاقتصادية لكل محافظة للمواطنين والمستثمرين أحد عوامل نجاح الأسواق الناشئة، فلن تجد مستثمر يتحدث عن الاستثمار الحقيقي في الصين أو الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى دخول السوق السعودية أو المصرية بشكل عام، فالمسألة تتعلق بالاستثمار في ولاية أو مدينة أو حتى منطقة صناعية محددة.

 فالفرصة الاستثمارية تكون واضحة على نقطة في خريطة دولة ما.

 ونحن في هذا النقطة مقصرين بشكل كبير، لأننا نعتمد على سياسات أجهزة في المحافظات تعمل في جزر منعزلة كما أنها لا تمتلك المعرفة الحقيقية بعوامل القوة والضعف في محيطها، كما أن كل منها تابع لوزارة ما، تنفذ سياستها حتى ولو كانت مضاده لسياسات وزارة أخرى.

 وبالمثال يتضح مدى الخلل، في إحدى المحافظات نفذت حملات ضريبية على المتاجر والمحلات، في نفس توقيت نزول حملات الصحة وشرطة سرقة الخدمات، لتكون النتيجة دخول 4 جهات في وقت واحد لأحد المحلات التجارية وهو مالم يحتمله صاحب المحل فقام بتمزيق كل أوراق المحل أمامهم.

 فبسبب الانعزال الطويل عن أهداف الدولة لعقود طويلة، تبدو أجهزة المحافظات غير جاهزة لخوض تجارب مختلفة نحو التنمية وإحداث طفرة على مستوى الخدمات، وتنتابها شكوك في أن أي تحرك بعقلانية قد يقابله جزاء أو فصل من العمل.

 المحافظات في مصر مليئة بالفرص الحقيقة وبالعناصر البشرية التي يمكن البناء عليها، كما أن لكل منها تجربة في صناعة ما أو خدمات تجارية بعضها مستمر حتى الآن، والآخر خرج جزئيا من السباق لأسباب متعلقة بسياسات خاطئة نفذت لعقود طويلة.

 وهنا تكمن البداية الحقيقية، في وضع خريطة استثمارية منفصلة لكل محافظة، بعد دراسة شاملة لامكانيات هذه المحافظة وطبيعة الموارد فيها سواء المواد الخام المتوفرة، الخبرات والمهارات السائدة للقوى العاملة، مدى قربها أو بعدها عن الموانئ وبالتالي الارتباط بالتصدير من عدمه.

 وبعد الانتهاء من هذه الدراسة يمكننا وضع هيكل الفرص الاستثمارية لكل محافظة، وتشكيل فرق متخصصة بداخل كل المحافظات للترويج للفرص الاستثمارية المتاحة فيها، في ضوء تنسيق كامل مع الأجهزة المركزية في الدولة وأعني هنا وزارة الاستثمار والتعاون الدولي، ووزارة التجارة والصناعة.

 من المؤكد أن الدراسة التي سيتم إجرائها ستكشف عن فرص جديدة لم يعلم أحد عنها شئ من قبل، وستدفع لتوطين صناعات معينة في محافظات معينة، وستجعل من السهل على المستثمر اتخاذ قراره الاستثماري نتيجة توافر كل مقومات نمو الصناعة التي يعمل فيها في المحافظة المرشحة له.

 وسينعكس هذا الأمر على تمكين المنتج من الخروج بسلعة بتكلفة منخفضة نسبياً، وبالتالي إمكانية وضع سعر تنافسي لها، يمكنه من التواجد وبقوة في السوقين المحلية والعالمية.

 النقطة الهامة هنا أيضاً هي كيفية الترويج للفرص المتاحة في كل محافظة، لابد أن ينقسم هذا الترويج إلى قسمين، الأول؛ يرتبط بالترويج المركزي من قبل الوزارات للفرص الاستثمارية المتاحة في كل المحافظات، ويتم تركيز هذا الترويج على المستوى الخارجي، لصعوبة خروج وفود من كل محافظة على حدى للترويج للاستثمار في الخارج.

 والقسم الثاني يرتبط بتخصيص فرق مدربة ولديها دراية كافية، بطبيعة الاستثمار في كل محافظة، للترويج لمحافظاتها، ويتم ذلك من خلال عقد لقاءات داخلية مع الغرف الصناعية المختلفة، وتجمعات المستثمرين ورجال الأعمال مثل الجمعيات التابعة للاتحاد المصري للمستثمرين، وجمعية رجال الأعمال المصريين وغيرهم.

 وأثق أن هذه التجمعات سترحب باستقبال مروجي الفرص، وستساعدهم على استكمال دراساتهم بناءا علي خبراتهم الطويلة في المجال الاستثماري والصناعي.

 أتصور أن فرق العمل التي سيتم تشكيلها للترويج للفرص الاستثمارية المتاحة سيصعب اختيارها من الهياكل الإدارية الحالية في المحافظات، وفي تقديري أن يتم اختيار هذه العناصر من حديثي التخرج الذين درسوا الاقتصاد والأعمال، ولديهم دراية حديثة بكافة مكونات المشروعات والعوامل التي تؤثر في تنافسية المشروعات المختلفة، ويتم إعطائهم برنامج تدريبي مكثف في إحدى الجهات المتطورة مثل الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة والهيئة العامة للتنمية الصناعية بالتنسيق مع إدارات البحوث الاقتصادية والتحليل في بنوك الاستثمار المختلفة، والتي لن تمانع في مساندة هذه الجهود باعتبارها خطة قومية لتنمية الوطن بأكمله.

 وينبغي بعد بناء كل هذا النموذج أن نضع معايير جيدة للتقييم، والوقوف على النجاح الذي حققته كل محافظة في الترويج للفرص المتاحة فيها، وجذبها للاستثمار المحلي، والتنسيق مع الأجهزة المركزية المختلفة لجذب الاستثمار الخارجي.

 ولابد أن تراعي هذه المعايير اختلاف الإمكانيات المتاحة لكل محافظة، فلا بد أن يتم التفرقة بين تقييم إدارة تعمل على جذب الاستثمار لمحافظة الإسكندرية، وإدارة أخرى تعمل علي جذب الاستثمار لمحافظة أسيوط.

 أتوقع أن المكاسب من تطبيق هذا النموذج ستكون ضخمة للغاية، وسنستطيع تغيير معطيات الاقتصاد بالكامل وسنتمكن في وقت قياسي من تحقيق طفرة كبيرة على مستوى فرص التوظيف المتاحة، والتنمية الصناعية المتوقعة وحجم الاستثمارات التي سيتم جذبها سواء من الداخل أو الخارج.

 وسيساعد هذا الأمر على تعزيز فكرة التوطين الصناعي، وتعميق الصناعات المختلفة وتقليل الاعتماد على المكون الأجنبي مع إعطاء الفرص لتقوية مهارات العمالة في صناعات معينة تتوطن في محافظاتهم، كما كنا نرى من قبل أغلب أبناء المحلة كانوا يتقنون صناعة النسيج، وأغلب أبناء دمياط يتقنون حرف وفنون صناعة الأثاث.

 فلما اليوم لا نري الإسماعيلية متخصصة في صناعة المكونات التكنولوجية استنادا لإمتلاكها منطقة وادي السيلكون، ولما لا نرى محافظات الصعيد موطنا لصناعة السيراميك والرخام ومواد البناء باعتبارها غنية في الخامات اللازمة لهذه الصناعات، ولما لا نرى الفيوم متخصصة في الصناعات الغذائية باعتبارها تملك واحدة من أفضل الأراضي الزراعية على مستوى الدولة والمنطقة ككل.

 كما ينبغي أن يتم تطوير الأساليب الإنتاجية والتكنولوجية المتبعة في عملية توطين الصناعات بالمحافظات المختلفة، بحيث نبدأ من حيث انتهى الآخرون ولا نظل نعتمد على نظم فنية بالية، وتكنولوجيا عفى عليها الزمن، ستفقد بكل تأكيد أي ميزة نسبية نمتلكها في إنتاج سلعة معينة، وستكتب نهاية مأسوية للمشروعات التي تخرج لمنافسة الشركات العالمية في الخارج أو حتى في الداخل.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>