الاقتصاد الرقمي والإنسان

من الطبيعي أن نجد كافة الدول والحكومات ترغب بالتفوق الاقتصادي والعلمي وأن تلبي أجندة التنمية المستدامة كي يتم تحسين جودة حياة البشر ويسود الرخاء والأمن والطمأنينة ويزول القلق من ندرة الموارد وشحها وخطورة المنافسة عليها وما تؤدي به تلك المنافسة لتصل لحد الصراع وقد تتصَّعد لمستوى الحروب بمستواها الأقصى أو تقتصر على المكايدة والعنت بحدها الأدنى.
إن أهم عائق يعيق قدرات الحكومات بدول العالم بصفة عامة وبالمنطقة العربية بصفة خاصة معضلة قصر ذات اليد وعجز موازناتها وقدراتها الاقتصادية لتلبي حاجة الصرف والتمويل للمشروعات المطلوب تدشينها، وهذا حقيقة ظاهرُ الأمر والعقلية التقليدية ستكرر هذه المقولة مراراً وتكراراً وعبر الأجيال، ولكن هل هذه المقولة صحيحة مائة بالمائة؟

لو استسلمنا لهذه المقولة بهذه السهولة فلابد من ضرورة وحتمية الاتجاه نحو كارثة بالمستقبل حينما تنضب الموارد وينتشر الفقر والمرض وتتعاظم الصراعات، وهو الذي بيناه سابقا – بالمقال الأول – حيث أن الحضارة تتجه لأزمة مستفحلة وتاريخية في ندرة الموارد ولا سيما بعض الموارد الضرورية لاستمرار الحياة على الأرض ونسبة الاكسجين مرشحة للبروز كأزمة تدخل بتلك المعادلة مستقبلاً، فضلا عن عواقب ارتفاع درجات الحرارة والأزمات الصحية الأخرى. وقطعا ليس هذا هو ما نتجه له، حيث أن هناك بارقة أمل قوية تتضخم يوما بعد يوم لتغدو هي الحل – وكما قال الشاعر “وداوها بالتي كانت هي الداء” -، وبما أن الثورة الصناعية الأولى كانت هي شرارة البدء لكل تلك التداعيات والتدهور البيئي والمكاني والذي أضر بالبر والبحر والانسان والحيوان سواء بسواء، فإن القدرات التكنولوجية المتطورة جداً والتي برزت مع الثورة الصناعية الرابعة تحمل في طياتها البذرة الحيوية الضرورية لإعادة إنبات الحياة من جديد على سطح هذا الكوكب الذي انتُكِبَ بسكانه، فما هي العلامات الأساسية التي تبشر بها الثورة الصناعية الرابعة والقدرات التكنولوجية القادمة التي نعتقد أنها ستكون الممكن الرئيسي للثورة الصناعية الخامسة والتي سيكون توجهها الرئيسي هو التصالح مع الطبيعة وهو ما نتنبأ به من الآن ولعله يكون خلال الخمسون عاما القادمة.

إن أهم ما يميز الثورة الصناعية الرابعة هو الإدارة الرقمية الذكية لو صح هذا المصطلح كعنوان كبير حيث أنه بهذا المفهوم فإن الآلة أي الحاسبات الرقمية المتصلة بالانترنت فائقة السرعة وما يرتبط بها من شبكات وأجهزة وحتى محركات وسيارات وآليين سيمكنهم التعلم والتصرف بذكاء واتخاذ قرارات مناسبة، ونود هنا الإشارة لأحد أهم التحولات الجارية حالياً التي ظهرت على الساحة ألا وهي دخولنا بعصر الاقتصاد الرقمي، والذي يوفر العديد من الأدوات والآليات والضمانات الإدارية والحوكمة القانونية للمستثمرين والمتعاملين وهو ما سيدفع نحو الرد على السؤال العويص والمتكرر عن أين هي الموارد وكيف نمول مشاريع التنمية المستدامة.

تشير الدراسات الحديثة أن الشركات الصغيرة والمتناهية بالصغر العاملة بمجال تكنولوجيا التمويل (Fintech) ستتدخل خلال عشرة أعوام في منظومة إدارة نصف حجم الأموال المتداولة بالعالم وهو ما يغير قواعد اللعبة بشكل جذري ويهز عروش البنوك الكبيرة والمتوسطة ويجبرها فوراً على المخاطرة المحسوبة والاستثمار في الابتكار والتطوير ومنها الاستحواذ على الشركات المبدعة الصغيرة التي تقدم اختراعات جديدة وثورية في مجال تكنولوجيا التمويل، وهذه المنافسة حتما ستقود نحو ضخ المزيد من الاستثمارات الآمنة في شرايين الاقتصاد والقضاء التدريجي على الاقتصاد المخفي الموازي وتحقيق حلم الشمول المالي وهو ما يعني امتلاك الدولة لقوة اقتصادية كانت غير متاحة وستنضم بفضل هذه الآليات وما يصحبها من ثورة تشريعية وتقنية ومعرفية لقوة الدولة الحالية وتوفر إجابة بليغة جدا على سؤال: كيف نمول مشاريع التنمية المستدامة؟

ليس ما سبق فحسب بل إن التكنولوجيا الحديثة ستقدم يداً داعمة وتنفيذية قوية وأساسية وبيان عملي عن كيفية تنفيذ مبادرات أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة، ويكفي أن نشير هنا بمثال بسيط وهو دور الآليين الذاتيين الذين سينضمون لقوة العمل ليحلوا محل البشر في الأعمال الخطيرة والتي تهدد صحتهم وحياتهم كأعمال المناجم على سبيل المثال والصيد بأعالي البحار، أو دور علوم الجينوم والنانو في إيجاد علاجات جديدة للعديد من الأمراض المستعصية والتي سيكون للذكاء الصناعي دوراً جديداً في التشخيص والعلاج بدقة ويضمن المساواة والعدالة في تقديم الخدمة العلاجية.

وأخيراً وليس آخرا فإن التطور الماثل في وسائل استخراج وتخزين الطاقة يتضاعف سنويا سواء على مستوى الدقة والفاعلية وعلى مستوى انخفاض التكلفة الإنتاجية وهذه النقطة ستمثل ذروة التحول بالعصر القادم حيث سيمكن توفير طاقة نظيفة صديقة للبيئة ورخيصة وفي المتناول وبما سيمكن من تنفيذ كافة المشاريع الأخرى طالما قد توفرت الطاقة.
مرحبا بالثورة الصناعية الرابعة وننتظر الخامسة والتي سيكون عنوانها الأكبر الانتصار للطبيعة بإذن الله.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>