وصف مصر بين الماضي والحاضر!

يعتبر كتاب «وصف مصر» أهم ما نتج عن الحملة الفرنسية “1798 – 1801″، إذ أطلق نابليون بونابرت العنان لعلمائه كي يكتبوا عن الدولة المصرية، وكان منهم علماء في كافة المجالات كالطب والاجتماع والهندسة والجغرافيا والبناء والتاريخ واللغة والتصوير وحتى الشعر والموسيقى، وساعدهم ما عثروا عليه في العديد من المدن المصرية من وثائق وبرديات نجحوا في فك طلاسمها، ففتحت أمامهم مزيدًا من الأسرار.

ولم يكتفوا بذلك بل قاموا باستطلاعات وتقصي وسؤال الناس عن أحوالهم المعيشية ورصد عاداتهم وثقافتهم، لمعرفة واقعهم المعاصر بأدق التفاصيل حتى أنك ستقرأ في أحدى صفحات الكتاب عن الداية وتفاصيل وعادات الولادة في مصر في ذلك التوقيت!.

وهذه الإجراءات تعد المثلى عندما تريد أن تدرك واقعك لتتعامل معه وتنغرس فيه، وتحقق نتائج على المستوى المطلوب فالمعرفة هي القوة ليس أكثر!

والسؤال الذي يطرح نفسه، إلى أي مدى نعرف المجتمع المصري الذي نعيش فيه حاليا؟ مصادر قوته، ومواطن ضعفه؟ احتياجاته وموارده وإمكانياته وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية المختلفة؟

الدولة المصرية تنقسم إلى 27 محافظة في 7 أقاليم، كل محافظة لها عاصمة ويتبعها مراكز أو أقسام أو مراكز وأقسام معاً، المراكز الإدارية توجد في المحافظات التي بها ريف، وينقسم المركز الواحد إلى وحدات محلية، وعاصمة المركز أكبر بلاده وتكون مدينة، وعاصمة الوحدة المحلية تكون قرية رئيسية أو مدينة (إذا كان المركز يتبعه أكثر من مدينة)؛ والقرية الرئيسية يتبعها عدد من القرى، وكل قرية قد يتبعها عزب وكفور ونجوع.

وفي هذا العالم الإحصائي والرقعة الجغرافية الممتدة التي ندركها حصرا في الملفات وعلى الورق، لا نعرف الكثير عن مجتمعها بعاداته وأنماطه وطرق تفكيره ومستويات التغير الذي حدثت فيه خلال العقود الماضية على كافة المستويات خاصة فئة الشباب التي ضربتها التطورات المعرفية الهائلة عن طريق الإنترنت، على جهاز محمول يعرف عنه أكثر ما تعرفه الحكومة!

والنتيجة انفصال في القوى الدافعة لهذه الدولة، ولغة مختلفة لا يفهمها الطرفان؛ الحكومة والدولة من ناحية، والشعب من ناحية أخرى، فالمعرفة هي الجوهر الذي تبنى عليه الحضارات وتنمو عليه الشعوب، وهي جوهر الوجود الإنساني.

ويعد الاقتصاد غير الرسمي أحد أبرز المفقودين على مستوى المعرفة، والذي يطلق على ملايين العاملين في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات من غير الملتزمين بالنظم والقوانين ولا يدفعون الضرائب ولا يخضعون للأجهزة الرقابية.

فوفقا لدراسة أعدها اتحاد الصناعات في عام 2015 أظهرت وجود 47 ألف مصنع “بئر سلم”، لم يستخرجوا سجلا صناعيا، و8 ملايين مواطن يعملون في 1200 سوق عشوائية، إضافة للباعة الجائلين؛ ووجود عقارات غير مسجلة تقدر قيمتها بنحو 2.4 تريليون جنيه، ويقدر حجمه بحوالي 60% من حجم الاقتصاد الكلي وتعاملاته السنوية تتجاوز الـ2.2 تريليون جنيه وفقا لآخر إحصائيات البنك الدولي.

وهذه النتائج والحقائق وجدت لأن مأمور الضرائب ورئيس الحي يسبق في كثير من الأحيان الحماية القانونية والاجتماعية للعمال وأصحاب الأعمال، وتوفير الامتيازات المالية والتمويلية.

وليس هناك سببا في عدم قدرتنا على التعامل مع هذا الملف سوى فقرنا التام في الفهم الموسع لأبعاد وديناميكيات الاقتصاد غير الرسمي سواء على مستوى المنشآت أو وحدات الإنتاج أو خصاص العمالة أو الوظائف أو الأنشطة التي يشكلها لعقود طويلة.

الدولة المصرية قامت خلال السنوات القليلة الماضية بتنفيذ برنامج شمولي للإصلاح المالي والنقدي بهدف تغيير واجهة البيئة الاستثمارية، ومعالجة الإختلالات الهيكيلة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، والتي تكشفت بعد ثورتين أكثر الفوائد التي تحققت منهما هو اكتشاف أخطاءنا الطويلة، والتي توارت لعقود خلف معدلات نمو ليست جديرة بالثقة.

لكن الحكومة مازالت غافلة عن أن إصلاح الدولة مسؤولية الشعب والحكومة، وهو ما أكد عليه مرارا الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابات سابقة لهدف أراه مناسبا جدا في هذه اللحظة.

ويبدو أن الحكومة بما هو واضح وبلغة الأرقام قد تحملت مسئولياتها خلال الفترة الماضية، لكنها في طريق تحقيق ذلك لم تبذل الجهد المطلوب في معرفة هذا الشعب الذي طالته تحديات الإصلاح الاقتصادي من ارتفاع الأسعار وتراجع المستوى المعيشي، والنتيجة أنه لم يفهم بل أصبح في كثير من الأحيان “سلبي” يرى الدولة تحاربه في قوت يومه.

وأقصد بالمعرفة هنا إجراء مسح شامل لتوصيف مصر حاليا، بكافة محافظاتها ومدنها وقراها، للتعرف على مراكز القوة في كل محافظة والصناعات التي تعمل بها، وطاقتها الشابة، وعدد المهاجرين منها، ومستوى التعليم فيها، والنقاط المضيئة فيها والشخصيات المحققين لنجاحات، ومشاكلها والتحديات التي تواجهها.

وذلك بهدف تشكيل هوية مصرية حديثة قادرة على الصمود أمام التحديات.

فبقدر ما تعرف عن حقائق المجتمع، تكون أكثر ثباتا في التعامل مع المشكلات الاجتماعية وخفض مخاطرها، وتكون أيضا قادرا على استقطاب هذا المجتمع للحظات البناء والتنمية، وتتوقع ردود أفعاله تجاه أيا من الملفات.

ولنكتفي من جملتنا الشهيرة الخالدة والتي نرى فيها تميزا غير موجود والتي تقال على لسان النخبة، وهي “الشعب المصري يفاجئنا دائما”، وكأن المفاجئة شيئا محمود ولا تعبر عن جهل بالشيء وعدم توقعه.

يوجد في مصر العديد من الهيئات الحكومية والخاصة التي تعمل على الإحصاء وإجراء البحوث والاستطلاعات، كالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والمركز القومي للبحوث، لكن طاقات هذه الهيئات لا تصلح لمثل هذا الاختبار!.

فالأمر هنا أشبه بالتوصيف الذي يحتاج إلى لجان متخصصة تجمع كافة التخصصات والعناصر، ولنا في “الحملة الفرنسية” مثال؛ لتفصيص هذه الدولة وتفنيد ما تحت السطح.

وبمجرد تجميع هذا الكم من البيانات وإجراء تحليل متعمق عليها، يمكننا تحديد الاتجاه المناسب أو الحل الأسرع للعديد من القضايا التي واجهها المجتمع، ومن أبرز هذه القضايا المشروعات الصغيرة والمتوسطة والحرف اليدوية حيث تشير الاحصائيات العالمية أن من 60 : 70% من هذه المنشآت يتم إغلاقه بعد العام الأول من إنشائها نتيجة عدم امتلاك القدرة المناسبة على ترويج المنتجات وتحقيق مستوى المبيعات المناسب.

وهنا يمكن أن تتجه الدولة لصياغة خطة ممهنجة لدعم هذه المشروعات وتمكينها من الخروج من السوق الضيق جغرافياً إلى السوق المتسع بالمشترين، سواء في محافظات أخرى أو خارج نطاق الدولة نفسها.

ويمكن عبر دراسة طبيعة الصناعات المصرية واتجاه الطلب عليها أن نتجه لتحقيق التمركز الجيد لهذه الصناعات في مناطق جغرافية معينة تمنح المنتجات ميزة تنافسية أكبر من خلال تحقيق انخفاض نسبي في تكلفة النقل والإنتاج، وتعميق المكون المحلي وإعطاءه نسبة أكبر من المنتج النهائي.

ملف آخر وبالغ الأهمية ينبغي أن تُحسن الدولة التعامل معه وهو ملف الشباب فلابد أن تسعى الدولة لتغيير مفاهيم الشباب بخصوص العمل، والبحث عن الفرص المناسبة كي يتحول الشاب من مجرد عامل لصاحب فكرة ومشروع ورأسمال.

فلابد أن نربط توجهات الشباب وتفضيلاتهم العملية بالمجالات المتاحة في السوق المصرية، حتى لا تتفاقم معدلات البطالة ونفقد جزء كبير من مواردنا البشرية نتيجة تركز البحث في فرص ليست موجودة، الأمر الذي يدفعنا لحدوث بطالة مقعنة ليس فقط على مستوى الأجهزة الحكومية المختلفة وإنما في بعض مؤسسات القطاع الخاص، وذلك نتيجة لزيادة العمالة الإدارية بشكل كبير وتلاشي العمالة الفنية.

وعلينا أن نعلم أن مجالات العمل الإدري ترتبط بالتنظيم والمبيعات والتسويق، وإن لم يكن هناك سلع كثيفة يتم إنتاجها في مجالات مختلفة فكيف سنحتاج لمسوقين ومندوبي مبيعات وموظفين شئون إدارية وموارد بشرية وغيرها من الوظائف التي يطلق عليها “وظائف مكتبية” تعتمد على القلم أكثر من الاعتماد على الآلة، وعلى الكلام أكثر من الفعل!

ومن الملفات الهامة أيضاً والتي يمكن تعظيم كفاءة العمل فيها من خلال جمع وتحليل البيانات هو ملف “عدالة التنمية”، وهذا المفهوم الجديد الذي جرى استخدامه مؤخراً في المنظمات العالمية يدعو لتحقيق التوازن في توزيع ثمار وفرص التنمية بين كل فئات الجيل الحاضر، وبين الجيل الحاضر وأجيال المستقبل وفي هذه الحالة يمكن أن نطلق على هذا المفهوم مصطلح “التنمية المستدامة”.

فالحصول على بيانات دقيقة حول تمركز الفقر وعادات الفقراء يمكننا من وضع أسلوب أكثر فعالية في القضاء على فقرهم وتوفير احتياجاتهم المعيشية الملحة التي لا يمكن تأخيرها.

 

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>