مصر أولاً

«الاستثمار الإسبانى فى المكسيك كان مفيدا للعالم، لكنه لم يكن مفيدا بنفس القدر للمكسيكيين»، كانت هذه محصلة دراسة متعمقة قام بها الدكتور «بانكاج تاندون»، وهو أستاذ اقتصاد بجامعة بوسطن الأمريكية، لصفقة بيع شركة التليفونات المكسيكية لشركة إسبانية عام 1990. الخاسر الأكبر كان المستهلك المكسيكى من جراء ارتفاع أسعار الخدمات، والرابح الأكبر كان الشركة الإسبانية. هذا لا يعنى أن الاستثمار الأجنبى لم يكن مفيدا للمكسيك فى حالات أخرى، ولكنه يعنى أن الاستثمار الأجنبى يمكن أن يخدم مصلحة المستثمر الأجنبى على حساب مواطنى البلد المضيف فى بعض الأحيان.

أهمية هذه القصة بالنسبة لنا فى مصر تأتى من الاعتقاد الشائع بأن زيادة تدفقات رأس المال الأجنبى تخدم المصلحة الوطنية بالضرورة. صحيح أن مصر فى حاجة إلى الاستثمار الأجنبى المباشر، ولكن هذا لا يعنى إعطاء المستثمر الأجنبى «شيكا على بياض». نحن بصدد تعظيم رخاء المصريين، ولسنا بصدد تعظيم رخاء العالم. من هذا المنظور، دعونا نتساءل: هل نحن حقا فى حاجة إلى الاستثمار الأجنبى؟، وهل اتخذنا من السياسات ما يضمن تعظيم منفعتنا منه؟، وأخيرا، كيف نتعامل مع معضلة حاجتنا للاستثمار الأجنبى من ناحية، ورغبتنا فى تعظيم الفائدة منه لصالحنا؟.

بالنسبة للسؤال الأول، ليس هناك شك فى أننا فى حاجة إلى الاستثمار الأجنبى إذا أردنا الدفع بمعدلات النمو إلى الأمام، والتصدى لمشكلة البطالة المزمنة، وتحديث الاقتصاد. هذه حقيقة تدعمها الأرقام، إذ إن الادخار المحلى لا يتجاوز 15% من الدخل القومى، ونحن فى حاجة إلى استثمارات لا تقل عن 25- 30% من الدخل القومى حتى نستطيع أن ننمو بمعدل 6-7% سنويا. زيادة الادخار المحلى كبديل للاستثمار الأجنبى تتطلب زيادة فى الدخول أولا، وهو غير ممكن فى المدى القصير دون تدفقات استثمارية من الخارج. إضافة لذلك، الاستثمار الأجنبى المباشر عادة ما يجلب معه تكنولوجيا متطورة، وأساليب إدارة وتسويق حديثة، فضلا عن إمكانية الاستفادة من شبكة العلاقات والتشابكات الدولية التى يتمتع بها. لكل هذا، ليس مدهشا أن معظم الدول الصاعدة اعتمدت فى العقود الأخيرة فى دفع عملية النمو لديها على جذب الاستثمارات الأجنبية.

ورغم هذه الآثار الإيجابية المحتملة للاستثمار الأجنبى، تشير التجربة المكسيكية وخبرات دول أخرى إلى أن العائد الصافى من الاستثمار الأجنبى على الدولة المضيفة من الممكن أن يكون سالبا. فى مثل هذه الحالات، الاستثمار الأجنبى يمثل استنزافا للموارد المحلية وليس إضافة لها. فى حالتنا، هناك ندرة فى الدراسات الخاصة بتقدير العائد الصافى على الاقتصاد من الاستثمار الأجنبى، إلا أنه ليس من المستبعد أن يكون المستثمرون الأجانب فى صناعة مثل صناعة السيارات 1 X

ads.speakol.com

قد اكتسبوا أكثر مما أعطوا لمصر. هذه الشركات أقامت دكاكين لتجميع عدد محدود من السيارات 1 X

ads.speakol.com

لبيعها فى السوق المحلية بأسعار مرتفعة، مستفيدة من التعريفة الجمركية المنخفضة على المدخلات والحماية الجمركية المرتفعة جدا على المنتج النهائى.

 

إذا كان الأمر كذلك فيما مضى، هل اتخذنا من السياسات ما يحقق مصلحتنا فى المستقبل؟، من الصعب الجزم بإجابة قاطعة على هذا السؤال، إلا أن ما جاء به قانون الاستثمار الجديد يبعث على القلق. من أهم مواد هذا القانون أنه يعطى المستثمر ميزات مذهلة، أهمها الإعفاء من الضرائب للمشروعات الواقعة فى خريطة استثمارية تعدها الحكومة يصل إلى 50% من التكاليف الاستثمارية للقطاع (أ)، و30% للقطاع (ب)، بحد أقصى 80% من رأس المال المدفوع. صحيح أن هذه الإعفاءات مقترنة بخدمة أهداف نبيلة، مثل التنمية الإقليمية وكثافة التشغيل، لكن هل قام أحد بحساب صافى الفائدة على مصر من هذه السياسة للتأكد من أن العائد علينا أكبر من التكلفة؟ أشك فى ذلك.

نحن إذن أمام معضلة، وهى أننا نحتاج الاستثمار الأجنبى، ولكننا نريد فى نفس الوقت تعظيم الفائدة منه لصالح المصريين. الحل الذى توصلت إليه دول أخرى، مثل شيلى والمغرب، يكمن فى تحسين مناخ الاستثمار فى كل مناحيه، بحيث يكون من السهل على الشركات الجديدة، والقائمة أيضا، أن تدخل السوق بسهولة، وأن تعمل فيها بنفس السهولة، وأن تخرج منها إذا تطلب الأمر دون تعقيدات. وليس من قبيل الصدفة، على سبيل المثال، أن معظم دول العالم أقلعت عن منح حوافز ضريبية بشكل انتقائى لبعض المستثمرين، فى بعض المناطق، أو لبعض الأنشطة. تخلى الدول بشكل متزايد عن مبدأ الانتقائية الذى ساد لفترة طويلة فى صراع نحو القاع، هو عكس ما جاء به قانون الاستثمار الجديد.

خلاصة القول إذن أن المصلحة الوطنية والمصلحة الدولية قد لا تلتقيان، وأن تدفقات الاستثمار الأجنبى ليست دائما فى صالح البلد المضيف لها. نعم نحتاج هذا الاستثمارات الأجنبية وبشدة، ولكن يجب ألا يعنى هذا أن نكون على استعداد لدفع أى ثمن. إذا كان علم الاقتصاد قائما على أن الشركات والأفراد يعظمون ربحهم أو منفعتهم، فمن الواجب على الدولة أن تعظم العائد من كل أنشطتها لصالح مواطنيها.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>