حقائق الجغرافيا والتاريخ التى نسيتها الدوحة!

مشكلة «قطر» مع أشقائها وجيرانها من العرب الخليجيين وغير الخليجيين، أن حكامها لا يريدون أن يتعاملوا مع الواقع، أو أن يعترفوا بحقائق الجغرافيا والتاريخ، التى تقول إنها دولة صغيرة، حديثة النشأة، فهى شبه جزيرة محدودة فى كل شىء: فى مساحتها وفى عدد سكانها وفى قدرتها القتالية، وفى حجم الخبرات الفنية المحلية التى تستطيع أن تدير مرافقها، تعتمد على العمالة الفنية وغير الفنية الوافدة فى معظم شؤونها.. وفضلاً عن النقص الفادح فى خبرات قادتها السياسيين، فهى محدودة فى مواردها الطبيعية باستثناء الغاز والنفط، اللذين يدران عليها سنوياً مئات المليارات من الدولارات، احتارت فى طريقة إنفاقها، ولم تجد مخرجاً من حيرتها، إلا بأن تبددها فيما لا يفيدها، بل قد يضرها ويضر جيرانها، تطبيقاً للمثل الشعبى المصرى الذى يقول «اللى معاه دولار محيره.. يجيب حمام ويطيره».

والذين تتاح لهم زيارة العاصمة القطرية يدهشهم حجم المنشآت التى تقام فيها من دون أن تكون فى حاجة ماسة إليها، أو أن تكون لديها العناصر البشرية القادرة على إدارتها أو المؤهلة للاستفادة من خدماتها، فمنذ سنوات قررت الحكومة القطرية أن تنشئ على مساحة واسعة من الأرض، «مدينة الدوحة للفنون» تضم داراً للأوبرا، ومسارح للعروض الموسيقية والدرامية، ودوراً للسينما ومتاحف متنوعة للآثار، ومعاهد لتعليم الفنون، وصالات لعروض الفنون التشكيلية، من دون أن تكون لديها فرق محلية، تصلح لتقديم العروض الأوبرالية، أو لتمثيل المسرحيات، أو تنتج أفلاماً محلية، أو تكتشف بها آثاراً تُعرض فى هذه المتاحف، أو أن يكون بها عدد كاف من الطلبة القطريين الذين يرغبون فى تعلم هذه الفنون.. أو عدد كاف من المتفرجين يشاهدون عروضها.

وفى الوقت نفسه تقريباً، بدأت الدوحة تنفيذ مشروع مدينة رياضية على أحدث طراز، استعداداً لدورة الألعاب الأوليمبية التى ستنظمها عام 2022، بحيث تكون كل مرافقها مكيفة الهواء، حتى تستطيع الفرق الرياضية التى ستأتى من جميع دول العالم، لكى تشارك فى هذه الدورة، أن تتحمل درجات الحرارة العالية فى العاصمة القطرية، ما يمكنها من حصد جوائزها، لتدخل قطر موسوعة جينيس للأرقام القياسية، باعتبارها أول دولة تنظم «الأوليمبياد المكيف» من دون أن يكون لديها فرق رياضية محلية!

تلك أمور كان يمكن – بشىء من التسامح وبعض السخرية – قبولها، انطلاقاً من أن كل إنسان حر فيما يملك، لولا أن بعض الأرزقية الذين أسالت لعابهم دولارات الدوحة التى يحيرها كيف تنفقها، أوهموا الإدارة القطرية بأنها تستطيع أن تحقق لنفسها مكانة مؤثرة، تعوضها عن حقائق الجغرافيا والتاريخ التى تخلت عنها، إذا ما لعبت بهذه الدولارات فى بورصة السياسة الإقليمية والدولية، ولأن الأسرة المالكة القطرية – فيما يقول العارفون – تضم جناحين، يتعاطف أولهما مع المشروع القومى العروبى، الذى عرفته المنطقة فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، ويتعاطف الثانى مع المشروع الإخوانى الذى عرفته «قطر» خلال تلك الفترة، حين لجأ إليها عدد من الإخوان المسلمين الذين غادروا مصر بعد صدامهم مع حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، فقد ظلت السياسة القطرية تتسم بدرجة من التوازن، إلى أن اختل هذا التوازن لصالح الجناح الثانى، بعد مغامرة صدام حسين بغزو الكويت، ليسود الاعتقاد لديه، بأن استقرار الأوضاع فى قطر يحتاج إلى ظهير شعبى عابر للحدود، وأن الإخوان المسلمين هم وحدهم الذين يستطيعون القيام بهذا الدور، ما يمكن الطرفين من عقد معاهدة غير مكتوبة لتبادل الحماية، عبر مقايضة الفائض من دولارات قطر، بالفائض من قوة ونفوذ الإخوان.

فى مرحلة التوازن – فى السياسة القطرية – كانت قناة «الجزيرة»، وهى المصدر الثانى بعد الغاز – لنفوذ قطر، تدار بمنهج يجمع بين نفوذ التيار القومى العروبى، ونفوذ جماعة الإخوان، وكان إجلاء التيار الأول عن إدارة القناة، لينفرد الإخوان بإدارتها وتوجيه سياستها، مؤشراً قوياً على اختلال هذا التوازن لصالحهم، ولم تكن الإدارة القطرية، بعيدة عن المحاولات التى بذلت خلال السنوات الثمانى التى قضاها باراك أوباما، فى البيت الأبيض، لكى تقبل الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبى بأن يكون الإخوان المسلمون هم البديل الملائم لنظم الحكم التقليدية فى دول المنطقة، وخاصة مصر.

وكما أن الدور الذى لعبته دولارات الدوحة، وتحريضات الجزيرة، لم يكونا بعيدين عن تهيئة الظروف التى قادت د. محمد مرسى إلى رئاسة جمهورية مصر العربية، فإن المحاولات المحمومة التى بذلتها خلال السنوات الأربع التى أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، لكى تعيد الأوضاع فى مصر إلى ما كانت عليه، لم تتوقف، على نحو دفعها إلى درجة من الشطط، جعلتها لا تنتبه إلى أن ما تقوم به لا يتعلق بها وحدها، ولكنه يمس أمن جيرانها المباشرين فى الخليج، وأعجزها عن القراءة الصحيحة، لدلالة المتغيرات التى حدثت فى سياسة البيت الأبيض، بعد رحيل «أوباما» وحلول «ترامب» مكانه.. فتوهم الذين يحكمونها أنهم دولة عظمى، ونسوا حقائق الجغرافيا والتاريخ، التى يستحيل تغييرها!.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>