الاصلاح الاقتصادي..المسألة أخطر وأعقد!

alt

لا أحد يعرف ما هو مجمل تأثيره ، ولا ماهية حدوده الاجتماعية ، ولا ما بعده ، لكن ما أعرفه أن الأحلام الضخمة قد تحقق ، لكن ليس بوسعك تحقيقها إذا كانت بالغة الضخامة ! .

فالمتأمل جيداً للقرار الذى اتخذه البنك المركزى ، والذى قضى بتعويم الجنيه وتحرير سعر صرفه أمام العملات الرئيسية ، بالإضافة إلى تحريك الحكومة لأسعار بيع الوقود، وارتفاع العديد من السلع والخدمات الأخرى خلال الفترة الماضية مدفوعة بقوى السوق ، يدرك أننا دخلنا مرحلة جديدة فرضتها علينا الظروف السياسية والاقتصادية التى نعيش فيها منذ 6 سنوات .

لكن معناها العام لا يعنى أننا نجحنا فى عبور الأزمة ، لكنها أشارت إلى أن قرار ما إتُخذ لمراجعة كافة السياسات النقدية والمالية ، وسيتبعها بالضرورة إعادة فحص للمشروعات حتى لا تصل الأزمة إلى نهاياتها الصعبة .

فالمرحلة تقضى بضرورة مواجهة المشاكل الداخلية الخاصة المتمثلة فى مواجهة النمو المتباطىء والتضخم اللامتناهي وارتفاع عجزالموازنة ، وإنهاء حالة عدم اليقين بحلول أكثر جرأة وفعالية من الدولة ، وليس حلول شعبية غير صالحة للاستخدام منطقها الوحيد «إخماد الحرائق » وليس منعها ، ونظريتها الأبدية للتعامل مع المجتمع «لكم دينكم ولي دين .»

دعونا كدولة نمرر قرارتنا السياسية والاقتصادية وانتظروا الدعم ! .

فالكثير من السياسات السابقة وقعت فى فخ تفكير ضيق الأفق ، حول سياسات ضريبية مؤقتة ، وتغييرات شكلية فى سلسال أزماتنا المتتالية ، والتعامل مع الدعم كقانون وليس ظاهرة تشير إلى فشل السياسات الاقتصادية المطبقة ، واستمرت هذه الطريقة الإدارية لتولد لنا المزيد والمزيد من الأزمات ، سواء في الاقتصاد أو الاجتماع أو حتى السياسة ودفعت بنا إلي دوامات متعاقبة لا يمكننا الخروج منها بسلام .

والنتيجة التى وصلنا إليها تراجع ثقتنا في المستقبل، حتى وإن كانت المعطيات الحقيقية تدفعنا للتفاؤل وتخفيض توقعاتنا للنجاح حتى وإن كانت المؤشرات الأولية ترسمه بوضوح.

وهذه الحالة الخاصة بتراجع الثقة في المستقبل كانت ولازالت السواد السائد لدي جميع المصريين سواء المواطنين العاديين أو المتعاملين الاقتصاديين والمهتمين بالشأن الاقتصادي ، ولا شك أن هذه الحالة تمثل تحدياُ كبيراً أمام عملية الإصلاح الاقتصادي التى بدأت منذ أيام ، ومؤشرات الاستقرار الاقتصادي التي يمكن أن تنزل علي أرض الواقع في المستقبل القريب بشروط .

وبالتالي فإصلاح هذه السياسات لن ينعكس علي المواطن فقط في شكل تصحيح للمسار وتسريع وتيرة معالجة الأزمات والتخفيف من آثارها ، أو تلاشي وقوعها من الأساس ، ولكنه سينعكس علي الاقتصاد بشكل أكبر من خلال ترسيخ مفاهيم الثقة في المستقبل ، ورسم محددات واضحة لطريق النمو وسيناريوهات التعامل مع العراقيل التي من المتوقع أن تعترضه في المستقبل.

فالكثيرين من خبراء الاقتصاد يعتقدون أن القرارات الاخيرة، سواء المتعلقة بتحرير سعر صرف الجنيه أو رفع أسعار الوقود، سوف تسهم فى إعادة الثقة للمستثمرين الأجانب ، كما أنها ستساعد على تنشيط الأسواق وضرب السوق السوداء للعملة ، ومعالجة الفجوات الأزلية فى جسد الاقتصاد المصرى.

وهذه الرسائل وإن كانت إيجابية ، لكن الميل والانحراف والمبالغة فى تفاؤلها ، دون النظر إلى عامل الوقت والتكلفة التى سيدفعها فئات مختلفة من الشعب ، هو استمرار لسياسات قديمة رفعت سقف الطموح حتى سقط فوق أصحابه . !

يجب أن يدرك المواطن عمق الأزمة ، وما قد تفضى إليه برامج الاصلاح الاقتصادي من تداعيات وعواقب تستدعى وجود مصدات اجتماعية وسياسية تحمى الدولة من الانزلاق .

وهذه المصدات متمثلة فى ضرورة مراقبة ارتفاع أسعار السلع الرئيسية ، وأن تحدث فى إطار الحد الأدنى 20 % ،

وألا يرتفع معدل التضخم الناتج عن رفع الدعم عن أسعار الوقود على 15 % .

فالأزمة ليست فى التساؤل المطروح حالياً على الساحة والمتمثل فى جدلية ، هل برنامج الإصلاح مصرى خالص ،

أم إنها شروط صندوق النقد الدولي التى يجب تنفيذها فى إطار حصولنا على قرض ال 12 مليار دولار .

فالأمر ليس قضية قتل نبحث فيها عن الجاني ، لنودعه فى القفص .

المسألة أخطر وأعقد ، هناك خط فاصل بين المرور على الأزمات من الحواف والدخول فى صميم صلبها المتشابك .

وهناك فارق جوهرى أيضاً في سياسات ترغب فى إنقاذ الوقت المتبقى ، وأخرى تهدف إلى إنفجار القنبلة كحل أمثل ! .

والاطروحة المنطقية الآن هو الإتجاه نحو عملية توزيع أعباء الإصلاح ، حيث لايمكن أن تتحمل الطبقة الوسطى والفئات الأكثر فقراً كل فواتير الإصلاح الاقتصادى وارتفاعات الأسعار فوق طاقة التحمل.

وهذه المسألة ترتبط بضرورة التوسع في برامج الحماية الاجتماعية ، وضم فئات جديدة لها وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية ، وتخفيض المقابل الذي تدفعه هذه الفئات للحصول علي هذه الخدمات ، فضلاً عن تحسين رواتب صغار العاملين ، وقد يكون ذلك من خلال تفعيل حد أدني للأجور يضمن العيش الكريم لهذه الفئات.

وإلي جوار ذلك لابد وأن تهتم الحكومة بتحسين مؤشرات الطلب علي العمالة في المناطق الفقيرة والمهمشة ، من خلال دفع الاستثمار إلي هذه المناطق وتوفير العوامل المحفزة لنمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة فيها ، حتي تضمن توافر فرص عمل بأجر مناسب لأبناء هذه المناطق ، يكفي لمواجهة الاحتياجات اليومية المتزايدة بين الحين والآخر ، والتي ارتفعت تكلفتها عن قدرات المواطن العادي.

كما ينبغي أن تُركز الحكومة بشكل كبير علي ضبط منظومة الأسعار في السوق المصري وتقييد أي زيادة مبالغ فيها بحيث لا يقع المراطن فريسة لمجموعة من التجار الذين يتسمون بالجشع الشديد ، وقدرتهم علي استنزاف دخول الأفراد بأقل كمية وجودة ممكنة للسلع والخدمات ، الأمر الذي يؤثر بالسلب علي مستوي معيشة المواطن ويؤثر علي مستوي دخله الحقيقي.

وبعد تأكد الحكومة من إتخاذ هذه الإجراءات وسريانها ، لابد أن تركز علي حزمة جديدة من القرارات التي ترتبط بدعم الصناعات المحلية ، خاصة تلك التي يمكنها أن تحل محل الواردات ، بما يخفض من أعباء الاستيراد وضغطه علي العملة الدولارية في السوق ، أو تلك التي تقوم علي مدخلات محلية غير مستوردة وبالتالي ستتأثر بارتفاع سعر الدولار والوقود في أقل الحدود الممكنة ، بما يمكن من بيعها في السوق المحلي بسعر تنافسي وكذا في السوق العالمي بما يحقق عائد دولاري مناسب للدولة يساهم في تخطي أزمتها الحالية.

ولا يجب علي الحكومة أن تغفل السياسات طويلة المدي التي تركز علي جانب العرض في السوق ، بعدما كثفت من سياساتها التي ترتبط بإدارة الطلب الكلي ، وهي سياسات مالية ونقدية قصيرة المدي ، ولابد أن تركز سياسات العرض الكلي علي دعم الاستثمار الأجنبي في السوق المصري بعدما راهنت عليه الحكومة خلال الفترة الماضية ، وهيئت كل العوامل اللازمة لجذبه سواء تحرير سعر العملة المحلية مقابل الدولار والقضاء علي ظاهرة سعري الصرف، وكذلك استكمال مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي واعتماد الاجراءات الإصلاحية التي تتخذها الحكومة المصرية علي صعيد السياسات المالية والنقدية من الصندوق ، بما يمنح الاقتصاد المصري شهادة سلامة سياسات أمام كافة المستثمرين في العالم.

وهنا يأتي دور عدد من الوزارات لجذب الاستثمار الأجنبي ، أهمها وزارة الاستثمار التي لابد وأن توسع من جهودها الترويجية للفرص الاستثمارية المتاحة في مصر بالخارج، وأن تيسر علي المستثمرين كافة الإجراءات التي تعرقل مشروعاتهم ، كما ينبغي علي وزارة الصناعة أن تقوم بتهيئة المناخ الملائم لنمو الصناعة الوطنية سواء باستثمار محلي أو أجنبي ، وذلك من خلال رسم خطة تحرك واضحة في مختلف القطاعات الإنتاجية والتيسير علي المنتجين في الحصول علي مدخلات صناعاتهم وضمان عدم إنقطاع الخامة المستوردة من السوق ، فضلاً عن رسم منظومة تجارية جيدة يمكن من خلالها التوسع في تصريف الإنتاج في الداخل والخارج.

وبعيداً عن الاستثمار الأجنبي المباشر يأتي دور وزارة السياحة ، التي ينبغي عليها أن توسع من جهودها الترويجية والتركيز علي أسواق سياحية جديدة لجذب سائحين منها إلي السوق المصري خلال الفترة المقبلة ، بما يساهم في تحسين متحصلات العملة الصعبة للقطاع الرسمي من السياحة ويساهم في زيادة المعروض في السوق من العملة الصعبة علي نحو يمكن من السيطرة علي قيمة الجنيه المصري ، ومنع مزيد من التدهور لها في مقابل الدولار الأمريكي.

كل هذه الإجراءات تعد بمثابة روشتة تكميلية للإجراءات الإصلاحية التي شرعت الحكومة في اتخاذها علي مدار الفترة الماضية ، وذلك إن أردنا تحقيق مؤشرات إيجابية علي صعيد الاستثمار والإنتاج والتوظيف بعيداً عن إخفاقات عامي 92 و 93 عندما قمنا بتخفيض قيمة الجنيه وجلسنا «محلك سر » ، فما حصدنا من هذا الإجراء إلا صعود مطرد في قيمة الدولار والعملات الأخري وهبوط حاد في الطلب الكلي مدفوعاً بسياسات مالية ونقدية انكماشية ، مع عدم تحقيق استثمارات جديدة نتيجة ارتفاع تكلفة الاستثمار والتمويل نتيجة الانكماش من ناحية ، ونتيجة عدم وجود خطة استثمارية واضحة وترويج خارجي فعال من ناحية أخري .

ياسادة لاتنسون أن كرامة عملتنا المحلية من كرامة الوطن ، وكلما قلت فى نظرة الاقتصاد العالمي ، كلما كنا عرضة للاستباحة وعدم إمتلاك القرار

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>