مفكرة الرئيس

■ عشت أكثر من ٨ سنوات فى معية رئيس، فقد صار من حقى كرئيس تحرير أن أسافر فى طائرة الرئيس مع زملائى رؤساء التحرير، وفى منتصف الرحلة اعتاد مبارك- الذى أحمل له الوفاء- أن يجلس معنا ونمطره بالأسئلة والتساؤلات، وكنت أهتم بإجابات لم يفصح عنها الرئيس ولكنها تضمنت رسائل، وكنت أتوقف عند بعض نقاط يطرحها الرئيس ويسمع وجهات النظر فيها. مازلت أتذكر أنى قلت للرئيس مبارك يوماً ما فى طائرة كانت تقلنا إلى المغرب: إن الإجهاض مشروع فى الصين يا ريس، كما رأيت بنفسى عبر أسبوعين فى بكين أيام الزلزال، فهناك فى كل حى من يراقب حالات الحمل بعد الطفل الثانى ويسمح للزوجة بالإجهاض، وقال مبارك بحسم: الدولة لا تدخل غرف النوم. وأغلقت الموضوع!. لم أخف سؤالاً يعبث فى صدرى وكان يقرأ مبارك الوجوه، تلك أهم «مفردات» مبارك.

■ مفردات الرئيس هى طقوسه الخاصة فى العمل السياسى وقد كان مبارك مثلاً معتمدا على «مدير معلومات» وقد أتيح لى الاقتراب من د. مصطفى الفقى الذى شغل هذا المنصب، والسفير سامح شكرى، وزير الخارجية الآن، شغل أيضاً مكتب الرئيس للمعلومات، وكان مبارك يكلف رئيس الديوان- زكريا عزمى- بالاتصال بالسادة الوزراء لاستيفاء معلومة ما تنقص الدوسيه.

 

■ أما تجربة الرئيس السيسى- وله كل الولاء- فهى تجربة مختلفة وجديدة، فهو لا يعتمد على مدير معلومات «حتى وإن وجد هذا المنصب»، بل يعتمد على معلومات يدونها بقلمه الجاف فى مفكرة فى حجم كف اليد، ولعل الرئيس السيسى هو الرئيس الوحيد الذى يستخدم المفكرة، هذه المفكرة الرئاسية مفتوحة الصفحات فى كل لقاء شباب يحضره أو اجتماع مهم يحضره، إنه يدون بنفسه المعلومات ثم يحتفظ بها، وكان عبدالناصر يعتمد على معلومات مكتب السيد سامى شرف، مدير مكتب الرئيس، وكان الرئيس السادات يكلف أشرف مروان بالمعلومات، أما الرئيس السيسى فإن مفكرته الرئاسية بين أصابعه. وفى أوروبا- والمعلومة من الراحل د. على السمان- كان الرئيس الفرنسى ديجول يدون معلومات أثناء اجتماعاته الحزبية والخطب العامة. وبالمناسبة فإن الأستاذ هيكل كان يقدم لعبدالناصر تقريراً وافياً عقب كل خطبة مستعيناً بالأهرام وإمكانياته والقسم الخارجى فيه، وإن كانت هناك مصادر أخرى كان يعتمد عليها عبدالناصر.

■ المعلومة هى وحدة القياس وهى الإشارة والدليل عند الرئيس السيسى بحكم خلفيته المخابراتية، نفس خلفية الرئيس الروسى بوتين. ولهذا ينفرد السيسى بالمفكرة الرئاسية فى لقاءاته بالجماهير عبر شاشات تذيع على الهواء مباشرة، وفى أزمنة أخرى كان للمونتاج دور.

■ ماذا يدون الرئيس السيسى فى مفكرته؟

١- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يسجل الأرقام باعتبارها لغة الحقيقة.

٢- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يسجل المناطق الأشد فقراً فى مصر.

٣- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يسجل اقتراحات الشباب المهمة.

٤- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يسجل أسماء مناطق لم يطلها الاهتمام.

٥- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يسجل توقيتات المشاريع الكبرى وما يستغرق ٤ سنوات يختصره فى عامين اثنين.

٦- لاحظت- مجرد ملاحظة- أنه يتأكد من الوزراء الحاضرين عن معلومات لديه ويستوثق منها بالسؤال.

٧- لاحظت حرصه الشديد على إتمام العلاج لطابور الانتظار، فهو يسجل عدد من دخلوا غرفة العمليات.. من مجموع المنتظرين.

٨- لاحظت اهتمامه بالمنصة وتسجيل أهم ما فيها، فقد لفت نظر رامى رضوان- المذيع الشاب المنسق- لأهمية ما يقوله رئيس الوزراء رغم الوقت المقرر، ولفت النظر لأهمية الاستماع للشابتين صاحبتى اقتراح الرؤية والهوية لمحافظات مصر بصرياً، وكان قد طلب من وزير الدفاع- على الهواء- تبنى الفكرة والمساعدة فى التنفيذ.

٩- لاحظت أنه لفت نظر المذيعة المنسقة على المنصة لرجال الرقابة الإدارية أن «يأخذوا فرصتهم فى الشرح والإفادة» لأن الموضوع يمس أهم الموضوعات التى تحاربها الدولة بضراوة، مبنياً على معلومات موثقة وتحقيقات نيابة مسبقة.

١٠- مفكرة الرئيس السيسى حاوية ضافية لمعلومات وأرقام وأفكار ومقترحات، وهى مثل للمسؤول حتى لا يعتمد على ذاكرته فقط، فأصبح مساعد رئيس الجمهورية مهندس شريف إسماعيل له «أجندة صغيرة» يدون فيها معلومات تتفق مع اختصاصاته المكلف بها، وصار لرئيس الوزراء مهندس مصطفى مدبولى «نوتة» صغيرة يدون فيها ملاحظات لها علاقة بالجهاز التنفيذى.

■ يقال دائماً إن رجل المخابرات يحمل وجهاً لا يفصح عن شىء، أى Poker Face، ولكن الرئيس- قلبه فى مكانه الطبيعى- وجهه يفصح ببلاغة عن مشاعره، فعندما تكلم علناً عن الذين قالوا فى الفيس بوك «ارحل يا سيسى» كان غاضباً ولكنه كتم غضبه كرجل دولة، وعندما يضحك السيسى يضحك من قلبه، وعندما يتعلق الأمر بحالة عجز مادى أو صحى، فإنه يتأثر إلى حد الدمع الذى يخفيه عن الناس.

■ لو اقتربت من الرئيس لقلت له: رائع ألا يكون فى مصر طابور ينتظر العلاج، وقرارك بالعلاج جاء فى موعده، فهؤلاء يطلبون الدعاء من الله أن يحميك. ولقلت له: المصريون «عجولين» يقولون «موتنى بكرة واحيينى النهارده»، ويقولون «اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب»، هذا عوار فى الشخصية المصرية يا ريس وبالوعى وحده تتغير هذه السمات. ولقلت له: أخلاق الناس الهابطة قضية معنوية وتستحق اهتمامك يا ريس. ولقلت له أطراف مصر تحتاج لعين تحظى بها مثل القاهرة والدلتا.

■ مفكرة الرئيس = المسؤولية والعطاء والانصهار لنخرج من العوز المادى والاجتماعى والحضارى.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>