إنها حقا ثورة فى التعليم

تابعت، كما تابع غيرى من المصريين، شرح الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، خطته لإصلاح التعليم قبل الجامعى فى مؤتمر الشباب السادس الذى انعقد فى جامعة القاهرة يوم 28 يوليو 2018. والحقيقة أن ما عرضه الوزير ليس أقل من ثورة نهضوية فى التعليم تستحق التشجيع والمؤازرة، حتى ممن لديهم بعض التحفظات. المبهر فيما تم عرضه لم يكن فقط وضوح الفكر واتساقه، ولكن الجهد غير المسبوق فى الإعداد لتنفيذه.

الغرض من هذا المقال ليس الإسهاب فى مدح طارق شوقى، ولا فى الثناء على اختياره لهذا المنصب المهم، وكلاهما مستحق. كما أن الغرض ليس التأكيد على أهمية التعليم بالنسبة للفرد والأمة، فهذا معروف للجميع. وأخيرا، ليس الغرض تفصيل مشكلات التعليم، لأنها أيضا معروفة للقاصى والدانى. الغرض من المقال ببساطة هو محاولة فهم: ماذا يحاول الوزير القيام به تحديدا؟ وماذا يمكن إضافته لما قيل؟ وأخيرا، ما هى ضمانات نجاح التجربة؟

فهمى لما قاله الوزير أن جودة التعليم فى مصر لا تسر عدوا ولا حبيبا، بالإضافة لترتيبنا المتدنى عالميا، تقوم العملية التعليمية على الحفظ وليس الفهم، والتفكير الاستسلامى وليس التفكير النقدى، وتتسبب فى إرهاق الأسرة المصرية نفسيا وماديا، ولا تجلب البهجة للتلاميذ فى فصول مكدسة، ومدارس غير مؤهلة للتعلم والإبداع، ناهيك عن عدم التوافق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.

للتغلب على هذه المشكلات، تنطلق المنظومة الإصلاحية على مسارين: المسار الأول يبدأ تطبيقه على رياض الأطفال والسنة الأولى الابتدائية هذا العام، المسار الثانى يبدأ تطبيقه على سنة أولى ثانوى هذا العام، على أن يتم إنهاء مقصلة امتحان آخر سنة بعد ثلاث سنوات. جوهر منظومة الإصلاح هو تغيير معايير التقييم المستمرة وليس فى آخر العام، اعتمادا على الفهم وليس الحفظ. فى هذا الإطار، تم إنجاز بعض المهام، وجارٍ استكمال مهام أخرى، بغرض الارتقاء بالمدارس، ورفع كفاءة المعلمين، وتحديث المناهج، وإتاحة «تابلت» لكل طالب مجانا، واستحداث بنك أسئلة للامتحانات. وسوف تطبق هذه الإصلاحات فى المدارس الحكومية، وهذا تفعيل لمبدأ تكافل الفرص.

هل هناك ما يمكن إضافته لما قيل؟ استرشادا بما جاء فى كتاب قمت بتأليفه مع فريق عمل كبير وتم نشره عام 2008 تحت عنوان «الطريق الذى لم يسلك: إصلاح التعليم فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، فإن إصلاح التعليم يعتمد على إعادة هندسة التعليم، وتحفيز القائمين عليه، ومساءلتهم عن النتائج. هندسة التعليم لا تخرج عما عرضه الوزير، والعبرة فى التطبيق. بالنسبة لمحور التحفيز، ظنى أن تغيير معايير التقييم، وتحسين البيئة المدرسية، وتغيير منظومة الالتحاق بالجامعات سوف يحفز التلاميذ على الفهم والتعلم. أما بالنسبة للمعلمين ومديرى المدارس، فمن الضرورى توفير ما يسمح لهم بحياة كريمة، رغم ندرة الموارد وخشية رد فعل باقى موظفى الحكومة، بالإضافة لتحفيزهم معنويا بربط الأداء بالترقى الوظيفى والجوائز التقديرية.

بالنسبة لمحور المساءلة، لم يتم ذكره فيما عرضه الوزير، وقد يكون ذلك لضيق الوقت. ما يمكن أن تقوم به الوزارة فى هذا الشأن، استنادا لتجارب دولية ناجحة، أن يتم دعم المنافسة بين المدارس عن طريق نشر معلومات عن أدائها، وإتاحة الفرصة أمام أولياء الأمور لاختيار المدرسة التى يرون فيها مصلحة أولادهم. ومن الممكن أيضا أن تقرر الوزارة إجبار المدارس على نشر موازناتها وأوجه الإنفاق، مع تفعيل مجالس أولياء الأمور. وحتى تكتمل دائرة المساءلة، من الممكن إعطاء إدارة المدرسة مزيدا من الحرية فى إدارة شؤونها، مقابل تقوية دور الإدارات التعليمية فى المساءلة.

وأخيرا، ماذا عن ضمانات النجاح؟ أهمها فى تقديرى هى سياسة النفس الطويل لأن عملية إصلاح التعليم الأساسى سوف تستغرق ما لا يقل عن 12 عاما. ثانيا، من الضرورى أن يؤازر الجميع التجربة، خاصة مقدمى الخدمة (المعلمين) والمستفيدين منها (التلاميذ وأسرهم). ثالثا، من الضرورى أن تتسم عملية الإصلاح بالمرونة وإمكانية تعديل المسار فى ضوء النتائج. وأخيرا وليس آخرا، لا عوض عن المساندة السياسية وتوفير الموارد المالية اللازمة.

فى الختام، وبصراحة شديدة، ما تم حتى الآن فى المسألة التعليمية يعكس فهما عميقا لطبيعة المشكلة، وترجمة رشيدة لهذا الفهم، وشجاعة فى الإقدام على تجربة شاقة، لكننا فى أول الطريق، ونجاح التجربة سوف يتطلب الكثير من المثابرة والتجويد والمساندة المجتمعية.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>