علم الإدارة .. والخروج عن المألوف!

أى حكومة جديدة تحتاج إلى وقت لإثبات نفسها وجدارتها في العمل وتحقيق النتائج بلغة الأرقام ، إلا إنها فى سبيل ذلك يجب أن يكون لديها الإرادة والقدرة على إحداث التغيير فيما هو معتاد ومألوف وخطأ، والتمرد على أبجديات الماضي وبناء طريق جديد ، وإدراك أنها ليست في إمتحان ستحاسب عليه في نهاية الوقت ، حيث تكون خربت مالطة أو عاشت روما ، فالرهان هنا على الوقت ليس من رجاحة العقل والانتظار درب من العبث فخطواتها يجب أن تكون محسوبة و مرصودة خطوة بخطوة.

حكومة الدكتور “مدبولي” جاءت فى مرحلة فاصلة جديدة ، ومحملة بظروف وأبعاد مختلفة يجب أن تكون واعية لها وقادرة على التعامل معها بشكل مختلف .

فبرنامج الإصلاح الاقتصادي نفذ منه العديد من المراحل بنجاح ، وتحمل عقباته أفراد المجتمع بشىء من “الوعي المعقد” ، الذى تبنيه الثقافة العامة أحيانا أو حتى الخوف من مستقبل أكثر مرارة ، ناهيك عن تجربة تعلم منها المصريين كثيرا فى ثورتين متعاقبتين ذاقا فيهما ثمن عدم الاستقرار.

وأصبح الرهان على الشعب ناجحا بامتياز، في المضي قدما لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي ، فى توقيت فشلت فيه دول أخرى عن التحرك خطوة واحدة فى إتجاه ذلك .

كما أنها تحمل امتيازا أخر ، وهو نجاح الحكومة السابقة بقيادة الكفؤ شريف إسماعيل ، فى تخطى أكثر المطبات صعوبة ، والتى بدأتها مع الحقبة الرئاسية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي ، فى عدم استقرار للسياسات المالية والنقدية ، وانجراف الدولة في مستنقع الإرهاب المظلم الذي استهدف مفاصل الدولة وأركانها الثابتة ، وضعف الدولة في أداء مهامها الرئيسية.

وقد نجحت فى ذلك ، بشكل كبير خاصة مع توافر الإرادة السياسية القوية من رئيس الدولة ، وفى طريق تحقيق ذلك، غلب عليها “المركزية” فى تنفيذ السياسات ، خلال توقيت غابت فيه العديد من أجهزة الدولة عن تنفيذ مهامها .

لكن في أوقات الظروف الاستثنائية أو مرحلة ما قبل الانطلاق ، وهو ما تمر به مصر حاليا، تصبح الحاجة ملحة لحكومة قادرة على الاجتهاد كثيرا خارج السياسات الموضوعة لها بحلول غير تقليدية تتعامل مع المشكلات بنظرة واسعة وبمرونة في التفكير ، خاصة إذا كانت واقفة على قاعدة صلبة ، وهناك شعب تحمل عبء الإصلاح الاقتصادي وينتظر النتائج .

وأوليات هذه الاجتهادات ، العمل على تفكيك طرق الإدارة في المحافظات والمحليات والكثير من أجهزة الدولة المتصلة بالمجتمع بكافة فئاته ، والتي تعتمد على تنفيذ القانون في ظاهره دون نتائج أو محاسبة.

فمحاسبة المسئول تتم إذا ما خالف القانون في اتخاذ قرار ما أو إذا شابه الفساد ، لكن إذا قصر فمصيره الإقالة ولو بعد حين ! .

وليس دليل حديث مصغر كنموذج ” صفر المونديال” للمنتخب المصري في كأس العالم ، ليس على مستوى المباريات وفقط ، ولكن أيضا من حيث التنظيم والاستفادة والإخراج العام للمشهد ، وأيضا رد الفعل والذي كان دعوات للإقالة والاستقالة ومال إلى ذلك من دغدغة عامة للجماهير دون اعتبار أو دراسة أو الوقوف على أسباب الإخفاق .

وبالمقارنة الفريق الكوري الجنوبي الذي أدى أداءًا مشرفًا وأقصى ألمانيا بفوز تاريخي ،  لكنه لم يشفع له وخرج من الدور الأول للبطولة ، وقام بالانحناء والاعتذار لمجتمعه بعد وصوله لكوريا في صورة تناولتها كافة وسائل الإعلام العالمية ، وعبرت بقوة عن مدى تقدير المواطن وإن كان لاعبا لكرة القدم لدولته واعترافه بالتقصير.

فماذا فعل فريقنا واتحاد الكرة ؟

مؤتمر هذيل بإخراج مضحك لا يجوز من الأساس انعقاده ، فما بالك بنقله على الهواء مباشرة ! .

إن من يتطلع لتحقيق النجاح ، يجب أن يفهم أولا علم الإدارة والمنهج الذي يتبناه، وأن يكون هناك محاسبة للإخفاق بشرط توافر الأدوات والآليات المطلوبة ، وهو الأمر الذي يجب أن تعمل عليه حكومة الدكتور “مدبولي” بشئ من الجدية والحسم ، وإن نجحت في تنفيذ ذلك بنسبة 20 % سيكون إنجازا يمكننا أن نبني عليه للمستقبل واتخاذه كنموذج لما هو قادم .

التجربة الهندية الرائدة ” نموذج مميز لنجاح هذا التوجه” عندما تمكن رئيس وزراء الهند “جواهر لال نهرو” في مطلع خمسينيات القرن العشرين أن ينشىء مركزا قوميا للتخطيط يقوم علي المركزية في وضع السياسات وعلي اللامركزية في تطبيقها, واستمرت الهند على هذا التوجه حتى الآن، والنتيجة أصبحت الهند واحدة من الدول الصناعية العشر الكبرى ودخلت النادي النووي ، وأيضا حققت الاكتفاء الذاتي في الغذاء لما يقرب من مليار ومائتي مليون نسمة تقريبا .

ونحن بالتأكيد لن نبدأ من فراغ ، فلدينا إرث جيد من الثقافة والتاريخ وأيضا التعاليم الدينية السمحة التى يجب أن توظف في مناهج إدارية واضحة، لصناعة تجربة خاصة تمتلك القدرة على النفاذ في المشكلات المزمنة التي نعاني منها، وأكثر تكيفا مع ظروفنا التي تحتاج إلى سياسات وحلول متعددة للوصول إلى نتائج .

وتظل طرق الإدارة السليمة هي أقصر الطرق للوصول إلى المواطن، وإحساسه بالفائدة على مستوى سهولة الخدمات المقدمة له وتخفيف أعباء حياته ، بالإضافة إلى قدرتها على تفكيك طرق الفساد والمحسوبية.

فمنذ المشهد الشهير لحكاية الشنكل فى فيلم أرض النفاق لفؤاد المهندس ، والذي كشف بسخرية نهج الإدارة على لسان الفنان حسن مصطفى، ونحن لدينا ألاف المشاهد الشبيهة فى عدد من الأجهزة الحكومية .

فالإصلاح الإداري أصبح الآن مكوناً رئيسياً من مكونات التنمية في أي اقتصاد نامي، وأصبح كذلك مطلباً رئيسياً من مطالب استدامة هذه التنمية واستمرارها للأجيال المقبلة.

وذكرت كتب الإدارة الحديثة أن الهدف الرئيسي من الإدارة الناجحة للأعمال هو تنمية ثروة الملاك، وباعتبار أن هذا الاقتصاد ملك مواطنيه، فيكون الهدف الرئيسي للحكومة هو تنمية ثروات هذا الشعب، بما يشمل تحسين مستوى الدخل الحقيقي للفرد والأسرة، وتنمية مصادر الترفيه وضمان استدامة توافر السلع والخدمات بمستويات سعرية معقولة لا تلتهم التطور المحدود في الدخل النقدي للعامل.

لو وضعت الحكومة حساباتها بهذا المنطق، واتجهت لتحقيق أهدافها من تلك النقطة، وراجعت بصفة مستمرة خططها وفقاً لذلك حتماً ستنجح، لأنها ستدير الدولة بمنطق القطاع الخاص الرابح دائماً ، ولكن من سيربح هنا هو الشعب وليس فرد واحد أو مجموعة من المساهمين .

ويبدو أن هذه الفلسفة كانت السبب الرئيسي في النجاح العظيم الذي حققته الصين الذي قاده دينغ شياو بينغ عندما خرج وقال للجماهير التي احتشدت في ساحة القصر المحرم ببكين أنا جئت لهذا المنصب كي أنمي ثروات الصين، التي ستؤول إليكم يوماً من الأيام، لتصبحوا شعباً رائداً متقدماً في الاقتصاد والحياة.

وبالفعل تقدم الاقتصاد الصيني بشكل مطرد، وتحضرت بعدها كافة مظاهر الحياة في الصين حتى أصبح شعب ماو تسي شعباً متقدماً لا يقل عن الأوروبيين في شئ.

اليوم وقد مرت مصر بمرحلة تناظر ما مرت به الصين في سبعينيات القرن الماضي، وما مرت به البرازيل في مطلع الألفية الثالثة وما مرت به ماليزيا في الربع الثالث من القرن العشرين، نحن بحاجة حقيقية لتطوير مفاهيم الإدارة بشكل جذري، الحكومة تطور من أسلوبها في إدارة ثروات الشعب، وأعني بمصطلح ثروات الشعب أن تدير الحكومة الدولة بمنطق القطاع الخاص الذي يلعب دائماً لمصلحته وبكل تأكيد سيكون الرابح هو الشعب.

وأن تطور كل مؤسسة من أسلوب إدارتها لترتقي وتضمن تحقيق نجاحات مستمرة، وأن يطور الفرد من إدارته لوقته ولمستقبله ويعيد صياغة أهدافه بما يتلاءم مع الوضع الجديد الذي أقبلت عليه الدولة من التطور والتنمية.

حيث أدى هذا الوضع إلى ظهور الكثير من المتغيرات التي ينبغي الالتفات إليها بكل أهمية على مستوى الشخص قبل الحكومة نفسها، فمنخفضي المهارات أصبح لديهم معاناة واضحة في الحصول على فرصة عمل تضمن لهم حياة كريمة، ومتوسطي المهارات أصبحوا في حاجة ماسة لتطوير مهاراتهم لضمان فرصهم الحالية، بينما الطبقة الأعلى في هرم العمل وهم مرتفعي المهارات، أصبحوا بحاجة لأن يتحولوا من مجرد موظفين لمبتكرين ورواد أعمال.

ولعل هذا التحول هو الذي ساهم في ظهور الصناعة اليابانية والألمانية واحتلالها لقمة الصناعة عالمياً، حيث تشير الدراسات الصادرة عن منتدى دافوس أن 15% من القيادات الماهرة في المصانع الألمانية واليابانية في حقبة الثمانينات والتسعينات تحولوا فيما بعد لمستثمرين ورواد أعمال لديهم استثمارات بمليارات الدولارات بفضل “المغامرة” المدروسة!.

وفي النهاية ، أود أن أشد من أذر الوزيرة النشطة الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري ، والتي تتبنى مجموعة من القرارات والأفكار التي تستهدف بها أن يكون الجهاز الإدارى للدولة كفء وفعال ويقدم الخدمة للمواطن في أحسن أوجه ، ونقل العديد من التجارب الإقليمية والعالمية لمصر في هذا الشأن.

مشوارنا مازال طويلا ، لكن بالإرادة والإدارة السليمة نستطيع أن نحقق أهدافنا العظمى .

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>