بناء الإنسان

نرغب في التغيير ولا نتغير، ويشكو معظمنا سوء الظروف لكننا لا نفقه سنة التغيير !

تلك حقيقة مجتمعنا التي لابد من الاعتراف بها، حتى نستطيع إحداث أي “ممكن” على مستوى حياتنا اليومية، وأيضا للمستقبل.

تمثل العادات حقيقة أي مجتمع من الوهلة الأولى، وتعبر عن مكوناته الحقيقية التي لا يمكن الشك فيها، فهي الطريقة التي نفكر بها، والتجربة التي نمر من خلالها للمستقبل، وأيضا مقياس لمدى قدرتنا على التعامل مع الأزمات.

فالإنسان سجين دائما لعادات مجتمعه.

والحقيقة أن عاداتنا وبدون مبالغة أصبحت معيبة بشكل كبير، وتتطور للأسوء بل تعبر في كثير من الأحيان عن مدى الانفصام الذي نعاني منه ويعاني منا.

وهذه الأطروحة يمكن التأكد منها ببساطة ، فالنتائج خير دليل.

فعادتنا في العمل وهي الأهم في صناعة الدول، تستمتع في كثير من الأحيان بالكسل والروتين وغياب الإدارة، وتنمو بهذه الكينونة داخل أروقة المؤسسات كعقيدة وميثاق، خاصة في المؤسسات الحكومية، والنتيجة أن عدد كبير من الأجهزة لم يصلح معها أى عملية تطوير من حكومات متعاقبة على الرغم من ضخ مليارات الجنيهات في سبيل تطويرها وتغيير إداراتها أكثر من مرة.

والأمثلة كثيرة، يكفيك أن تقلب في دفاتر الإنترنت.

ولا استثني هنا خطأ الدولة في تكبير هذه العادات ودعمها، فخلال عقود طويلة قامت الدولة بتعيين ملايين الموظفين في الجهاز الإدارى للدولة ناهيك عن المؤسسات الحكومية لأهداف سياسية، والنتيجة عدد كبير من الموظفين غير مؤهلين وليس لديهم عمل يساهم بأى شكل من الأشكال في التنمية  وأيضا توليد مجموعة من مؤيدي النظام الحاكم قاموا بتسخير الدولة لمصالحهم الشخصية بناء على علاقتهم بالنظام.

وترتب على ذلك كذلك المشاكل الكبيرة التي تعاني منها الموازنة العامة للدولة خلال الفترة الحالية وتخطي الدين العام حاجز الـ 3 تريليونات جنيه، فضلاً عن اتساع العجز المستمر المدفوع بزيادة فاتورة الأجور عاماً عن الآخر.

والمحصلة النهائية أيضا أننا بارعون في المواقف الكبرى وإدارتها لكننا فاشلون “بغرابة” في منح تراخيص لمحل تجاري أو إنهاء مشكلة أرض متنازع عليها!

وأنا أنحاز بقوة في هذا الشأن لنظرية قوّة مؤسسات الدولة، بدلاً من مدى وظائف الدولة، ويستدل على ذلك بالنمو الاقتصادي الكبير للولايات المتحدة الأمريكية، والتي يتقلص فيها مدى وظائف الدولة، مقارنة ببطء النمو الاقتصادي لدول أوروبا الغربية، حيث مدى وظائف الدولة فيها أكثر،  بالإضافة للأداء العالي لاقتصاديات شرق آسيا، مقارنة بدول أمريكا اللاتينية.

وبالتالى النموذج المصري لابد من تغييره بدون ظلم أو جور ، فنحن في أمس الحاجة إلى توليد أليات جديدة لتعظيم قدرات الدولة، والتمرد على المألوف الذي أصبح عادة، وهو الأمر الذي ألتمسه أو أتمناه من برنامج الإصلاح الاقتصادي، فنحن لا نغير نظريات أو نضبط مؤشرات اقتصادية وحسب لكننا يجب أن نغير طريقة التفكير لدى الموظف والمدير والمسئول حتى نضمن تناسق الأهداف ما بين الفرد والجماعة، وبين المؤسسة والدولة، وبين الوزارة والحكومة.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطابه أمام مجلس النواب، أشار إلى هذا التوجه بتصريحه بأنه سيضع بناء الإنسان المصري على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة القادمة يقينا منه بأن كنز أمتنا الحقيقي هو الإنسان والذي يجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنيا وعقليا وثقافيا بحيث يعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعـد محاولات العبث بها، ويحاول صياغة معتقدات جديدة للإنسان المصري تتعلق بأفكاره ورغباته في سوق العمل، وتوجهه في اختيار المستقبل.

وهو التوجه الذي سيأخذ من الرئيس وقتا وجهدا من وجهة نظري أكبر من مشروع بناء الاقتصاد المصري، وأنا أتفق مع الرئيس في إعطاءه أولوية على اعتبار أن الاستثمار في الإنسان يعد استثمار حقيقي وبوابة رئيسية للعبور نحو أهداف التنمية المستدامة، بعيداً عن سياسة التنمية الوقتية التي لن تستمر في المستقبل، ولن تدوم للأجيال المقبلة.

فمسألة تطوير الاقتصاد لها قواعدها ونظرياتها، لكن بناء الإنسان مسألة أعقد ترتبط بالأسرة والإعلام والمدرسة وكل صاحب فكر في هذا المجتمع، وهو الأمر الذي ولابد أن ينجز خلال الولاية الثانية للرئيس، خاصة أن الولاية الأولى نجحت في إنجاز أهداف تهيئة البنية التحتية، وتدشين خطة موحدة طويلة المدى للدولة، وإطلاق عدد من المشروعات القومية التي من المتوقع أن تقودنا لمستقبل أفضل.

فلا توجد دولة قوية بناؤها الاجتماعي غير سليم، فالمجتمع هو الدولة وليس شىء آخر وعليه فإن أي خلل في بناءه سيؤدي إلى تخلخل وضعف الدولة على جميع الأصعدة ولن يعطينا نتائج حتى ولو تبنينا أعظم البرامج الاقتصادية .

فنحن في أمس الحاجة لتوليد أنماط جديدة من قدرات الدولة في العمل، والتي ضعفت إلى حد كبير خلال السنوات الماضية.

أولها تغيير ثقافة الأسرة المصرية في التعامل مع مستقبل أبناءهم، فعادة “البحث عن وظيفة” مازالت هى أم العادات لو جازت التسمية للأسرة المصرية، فبمجرد تخرج الشاب تجد الأب يبحث لإبنه عن وظيفة مستقرة بمرتب ثابت يبنى عليه مستقبله، كما أنه منذ البداية يزرع أمامه أهداف محددة متمثلة في أنه يجب أن يبذل كل الجهد لدخول كليات القمة “الطب والصيدلة والهندسة” لأن بعدها قاع بلا مستقر وحياة انتهت قبل أن تبدأ.

والنتيجة شاب يفقد الأمل لمجرد أنه لم يلتحق بأحد كليات القمة كما يطلق عليها “عبثا”، وبالتالي يخرج لسوق العمل مضطرا “لم يختار” فبالتالي يجب علينا ألا ننتظر منه أي إنجاز ، ناهيك عن عادة التعليم الملقن المجاني المفتوح للجميع كجلسات الاستماع.

وبالتالى لا عجب أن تحصل مصر على مراكز متأخرة في كفاءة سوق العمل في مؤشر التنافسية للعام 2017/ 2018، حيث حصلت على المركز الـ100، باعتبار أن العنصر البشري ومدى توافره بالمهارة المطلوبة يعد لاعب رئيسي وعنصر مؤثر في تكوين هذا المؤشر، الذي يهتم به الكثير من المستثمرين حول العالم، ويؤثر في وجهاتهم المستقبلية للاستثمار في بلد أو آخر.

كما أنه يجب ألا نغفل عن عادة “اللامبلاه” التي استفحلت خلال السنوات الماضية بشكل يثير القلق في ظل غياب “حلم الدولة”.

فالمجتمع بدون حلم محدد لا تنتظر منه أي إنجاز خاصة في أوقات الأزمات.

وأقصد بالحلم ما يفوق المشروعات القومية والتجربة الاقتصادية وإن كانت بالتاكيد أشياء عظيمة، إلا أنها لن تعطي هذه الإرادة القوية للتغيير، فهذا المجتمع يحتاج إلى أن يؤمن أساسا أولا بالقدرة على التغيير والإنجاز وترك الإحباط واليأس.

فلدينا في الدولة مازال الحديث عن حب الوطن يحتوي على نوع من الشاعرية والرومانسية، و ينبع من فكرة الحب من “طرف واحد” وهذا لا يبني سوى مجتمعا متهورا غير قادر على أي إنجاز.

ويبقي دور الإعلام محوري في بلوغ كل هذه الأهداف التي تسعي إليها الدولة، خاصة وأن الإعلام يعد أداة سريعة يمكن مخاطبة المجتمع كله من خلالها وبلغة يفضلها الجميع ولا يلفظها.

فلابد أن يركز الإعلام على تجديد الخطاب للشباب، وتطوير أسلوب تناول القضايا الاجتماعية، على نحو لا يؤدي لتفاقم الإحساس باليأس والإحباط ويرسخ لمقولة “مفيش فايدة” التي تقتل المبادرة لدى أشخاص من الممكن أن ينجحوا.

وبجانب الإعلام لابد أن تتحرك المؤسسات الأهلية والاستثمارية لدى القطاع الخاص في بناء مبادرات جديدة تعمل على استقطاب الكفاءات من الشباب، وتخدم مهاراتهم وتنميها حتى يتحولوا إلى أفراد مبتكرين قادرين على مواكبة التطور التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم من حولنا والذي يهدد أحلامنا في التقدم كل لحظة، من منطلق أنك عندما تصل للمستوى المتقدم سيكون العالم في مستوى أكثر تقدماً منك.

الخلاصة أننا بحاجة لقرار حاسم لابد أن ينبع من داخل كل منا، بأن نتغير، ونغير بلدنا للأفضل، حتى يمكننا أن نتحرك نحو أهدافنا بخطى ثابتة لا تعرف الاهتزاز، وبوجوه متفائلة لا تعرف اليأس!

 

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>