«حقل ظهر» يدفع الصناع لمطالبة الحكومة بتنفيذ وعود تخفيض سعر الغاز

شهد القطاع الصناعي خلال الفترة الماضية عدد من السياسات والخطوات الإصلاحية والتي دفعت مؤشراته نحو استعادة جزء كبير من عافيتها وتحقيق  معدلات نمو قياسية بلغت نحو 40% بنهاية شهر يناير الماضي،  إلا أن إشكالية ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المورد للمصانع والبالغة نحو 7 دولار للمليون وحدة حرارية لا تزال تمثل تحدياً كبيراً يهدد قدرة القطاع على مواصلة صحوته خلال الفترة المقبلة .

وأكد عدد من الخبراء والمراقبين داخل القطاع الصناعي ، ان استمرار اشكالية أسعار الغاز خلال الفترة المقبلة ينذر بدخول عدد من القطاعات الصناعية الرئيسية مثل الحديد والأسمنت والسيراميك والأسمدة في أزمة كبيرة قد تكبد الشركات المصرية خسائر إضافية وتحد من قدرتهم على المنافسة سواء على الصعيد المحلي والخارجي ، مطالبين الحكومة بضرورة المسارعة في تخفيض سعر الغاز ليتناسب مع الأسواق العالمية عند مستوى 4.5 دولار خاصة بعد بدء تشغيل حقل ظهر بحجم طاقة إنتاجية 350 مليون قدم مكعب يومياً وقرب إعلان الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي والذي من المقرر له العام الجاري ، وعدم الاكتفاء بالتعديلات الأخيرة التي أبرمتها وزارتي الصناعة والبترول لعقود التوريد للمصانع.

وتشير التقارير الحكومية إلى أن تكلفة استيراد الحكومة للغاز من الخارج تقدر بنحو 12 دولارا للمليون وحدة حرارية، ويتم بيعه لأغلب القطاعات الصناعية بسعر يتراوح بين 7-8 دولارات، حيث تشمل التكلفة قيمة الشحنات التي تستوردها شركة إيجاس، إضافة إلى تكلفة استئجار وحدتين للتغيير بغرض إعادة الغاز المسال إلى طبيعته الغازية، وأيضًا استئجار رصيف على الموانئ المصرية، في حين يصل السعر العالمي إلى 4.5 دولار للمليون وحدة، وتُحصّل الحكومة ثمن الغاز من المصانع بالجنيه ولكنها تسعره مقوما بالدولار.

ووافقت الحكومة خلال شهر مارس 2016 على تخفيض سعر الغاز لمصانع الحديد والصلب من 7 دولارات إلى 4.5 دولار للمليون وحدة حرارية، إلا أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن، حيث رهنت الحكومة بعد ذلك خفض أسعار الغاز للمصانع بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي.

كما بلغت فاتورة استيراد مصر من الغاز خلال العام المالي 2016/2017 نحو 3 مليارات دولار، وتستهلك الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهى الحديد والأسمنت والسيراميك والأسمدة، حوالى 30% من إنتاج مصر من الغاز الطبيعي.

وحسب التقرير السنوي لشركة إيجاس بلغ إجمالي استهلاك الصناعة من الغاز خلال العام المالي 2015/2016، نحو 379 مليار قدم مكعب سنويا، كما تفيد بعض التقارير الصحفية بأن حجم مستحقات الشركة لدى القطاع الصناعي سجلت بنهاية العام الماضي نحو 7مليارات جنيه .

تشير التعاقدات المبرمة وفقا لشركة إيجاس للغازات الطبيعية، أن حجم الإمدادات اليومية من الغاز الطبيعي  لمصانع الأسمدة يصل لنحو 600 مليون قدم مكعب يوميا، في حين يصل حجم تعاقدات قطاع الحديد إلى نحو 150 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا، ويصل حجم استهلاك القطاع المنزلي والسيارات إلى نحو 250 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، في حين أن التعاقد الفعلي لمصانع الأسمنت يصل إلى 430 مليون قدم مكعب من الغاز، لكنهم يحصلون على نحو 50 مليون قدم مكعب يوميا، نتيجة لعملهم بالفحم، بالإضافة إلى حصولهم على مازوت.

وتنتج مصر نحو 5.5 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً، ويتم استخدام نحو 300 مليون قدم مكعب يوميا داخل الحقول في معدات الاستخراج، على أن يتم توجيه المتبقي من الإنتاج إلى السوق المحلية.

كما يعد حقل ظهر أحد أكبر حقول الغاز فى البحر المتوسط، وبدأ  إنتاجه خلال ديسمبر الماضى ، ومن المتوقع، مع بداية الإنتاج من حقل الغاز، أن يصل حجم الإنتاج إلى 350 مليون قدم مكعبة يوميًا، على أن يرتفع إلى مليار قدم مكعبة يوميًا مع نهاية يونيو المقبل، على أن يتحقق الاكتفاء الذاتي خلال العام المقبل، وأنه مع اكتمال المشروع تصل الطاقة الإنتاجية القصوى للمشروع إلى 2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا، نهاية 2019.

وقال المهندس محمد السويدي رئيس اتحاد الصناعات المصرية وائتلاف دعم مصر بالبرلمان،  أن التعديلات الجديدة التي اتفقت عليها وزارتي الصناعة والبترول ستساهم بشكل كبير في تخفيف حدة الأعباء الملقاة حالياً على المصانع الناتجة عن أسعار الغاز والتي تفاقمت بشكل كبير عقب تحرير سعر الصرف الصادر في نوفمبر 2016.

وأضاف أن الحل الامثل لإشكالية الغاز هو ضرورة عمل دراسات تفصيلية حول التأثير الناتج لكل قطاع صناعي بشكل منفصل ومناقشتها مع مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة .

أشار السويدي  إلى أنه سبق وطالب الغرف الصناعية بعمل تلك الدراسات وأن تتضمن مقارنات بالأسعار العالمية دون أن يتقدم أحد بها لمجلس إدارة الاتحاد ، منوها أن هناك رغبة جادة لدى الحكومة لمواصلة سياسات تعظيم قدرات القطاع الصناعي خاصة عقب بدء تشغيل حقل ظهر والذي يعد الأكبر من نوعه على مستوى البحر المتوسط .

طالب شركة الغازات الطبيعية “إيجاس” بضرورة التيسير على الشركات الصناعية التي تعاني من التعثر في سداد المستحقات المتأخرة لديها خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة .

وقال رجل الأعمال محمد أبو العينين رئيس مجموعة كليوباترا ، أن هناك عدد من القطاعات الصناعية لن تتحمل استمرار الأسعار الراهنة لتوريد الغاز مثل السيراميك وأن المرحلة المقبلة ستشهد تكبد خروج عدد كبير من الشركات عن المنافسة سواء داخل السوق المحلية أو خارجياً ، مشيراً إلى اعتزامه رفع مذكرة عاجلة لمجلس الوزراء للمطالبة بسرعة الرجوع عن تلك الأسعار خاصة وأنها تفوق مستوى الأسعار المطبقة بالأسواق الخارجية.

أضاف أن المصانع تكبدت أعباء إضافية في أسعار الغاز خاصة عقب تحرير سعر الصرف والذي رفع قيمة الغاز بنسبة تصل لنحو 59%، منوها أن تلك الأعباء ستدفع بالشركات المصرية لعدم الاستفادة من باقي السياسات الإصلاحية الأخرى واستعادة الصناعة لعافيتها في ظل اتجاه الدولة لتعظيم قدرات القطاع على حساب الاستيراد .

تابع أبو العينين أن التعديلات التي أجرتها الحكومة مؤخراً في بنود العقود بين المصانع وشركة إيجاس تعد إيجابية ولكنها غير كافية لحل مشكلات المصانع والتي تتزايد حجم مديونياتهم يومياً في ظل الأسعار الحالية .

واتفق معه شريف عفيفي، رئيس شعبة السيراميك بغرفة مواد البناء ، مشيراً إلى أنه يتطلع لاستجابة الحكومة لمطالب خفض أسعار توريد الغاز الطبيعي لمصانع السيراميك، خاصة مع بدء إنتاج الغاز فى حقل ظهر.

أشار إلى أن أسعار توريد الغاز الحالية تسبب فى خفض الطاقات الإنتاجية لأغلب مصانع السيراميك إلى 60% خلال الوقت الحالي، بما يعادل 240 مليون متر مربع، بدلا من 400 مليون متر، إجمالي الطاقات الإنتاجية القصوى.

طالب عفيفي  الحكومة بضرورة الإسراع فى خفض أسعار الغاز لإنقاذ نحو 33 مصنعاً للسيراميك تعمل فى السوق المحلية.

وقال المهندس حسن المراكبي نائب رئيس غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات،  أن القطاع يأمل في تراجع أسعار الغاز بشكل عاجل حتى يتمكن من استعادة عافيته بشكل كبير، خاصة منتجي الدورة الكاملة للحديد” drr”   والذين يواجهون معاناة شديدة في الاستمرار بالإنتاج في ظل التسعير الحالي للغاز .

شدد على ضرورة أن يتم المحاسبة بالسعر العالمي الذي يسجل 4.5 دولار ، مضيفا أن سعر الغاز بالشكل الحالي يمثل ٤٠٠ جنيه في طن الحديد وذلك في المصانع العادية وليست الدورة الكاملة ويزيد عن ذلك في المصانع التي تنتج الدورة الكاملة.

أشار المراكبي إلى وجود اشكالية اخرى تتعلق بسياسة التسعير والدفع المعادل بالدولار والذي ارتفع بشكل كبير عقب تحرير سعر العملة، مطالباً بضرورة القيام أيضاً بالتسعير بالجنيه بدلاً من الدولار .

ومن ناحيته توقع النائب طارق السيد أمين لجنة الصناعة بمجلس النواب، خضوع حركة أسعار الغاز والطاقة لمفهوم السوق الحر والأسعار العالمية منتصف العام المقبل 2019 ، خاصة في ظل السياسات التي تتبعها الحكومة حالياً بالرفع التدريجي للدعم الموجه للمواد البترولية ، وكذلك بالتزامن مع خطة مصر لإعلان الاكتفاء الذاتي من الغاز خلال العام الجاري 2018.

أوضح  أنه كان يتم توريد الغاز للمصانع بأعلى من قيمته عالميا نظرا للحاجة إلى تغطية تكاليف الاستيراد، ولكن من المتوقع أن يتم خفض الأسعار عقب الاكتفاء الذاتي من انتاج الحقول خاصة وأنه سيتم الانتاج المحلى وتوفير تكاليف الاستيراد فسيكون التسعير بالسعر المحلي زائد هامش الربح .

لفت إلى أن قانون تنظيم سوق الغاز سوف يساعد أيضا في ضبط السوق حيث يسمح بدخول منافسين في التعامل في بيع وشراء وتوريد ونقل الغاز بحيث تصب المنافسة في صالح المستهلك، ولكن لن يتم الحكم عليه الا بعد تطبيقه بشكل عملي .

قال خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، أنه لا يمكن الحديث عن موافقة الحكومة على تخفيض قيمة توريد الغاز الطبيعي للمصانع قبل إعلان الاكتفاء الذاتي وتوقف عمليات الاستيراد بشكل تام .

أضاف أن هناك بعض الصناعات التي بدأت تتوقف بشكل جزئي في ظل الأسعار الحالية مثل صناعة الأسمدة والتي تعتمد بشكل رئيسي على الغاز كمادة خام رئيسية ، موضحاً أنه سيتم خلال الفترة المقبلة عقد لقاءات مكثفة مع مسئولي وزارة البترول لمطالبتهم بهيكلة المستحقات المتأخرة لها على المصانع لحين استعادتها لعافيتها وذلك لضمان عدم تفاقم تعثر تلك الشركات .

وقدرت قيمة الغاز المورد لصناعات الأسمدة والبتروكيماويات  بـ 4.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية أو طبقًا للمعادلة السعرية الواردة فى العقود، بما يعادل 39.6 جنيه قبل تعويم الجنيه، ونحو 63 جنيها بعد تحرير السوق.

وأوضح المهندس محمد العايدي وكيل المجلس التصديري للسلع الهندسية، إن أسعار الغاز في مصر تعد الأعلى على مستوى العالم، موضحاً أن التعديلات الاخيرة التي أعلنها وزير الصناعة تعطي بصيص من الأمل في الاتجاه نحو تعديل السياسات التسعيرية خلال الفترة الوجيزة المقبلة .

أشار إلى أن الوضع الحالي للقطاعات الصناعية ينذر بقرب تخارج عدد من المصانع في قطاعات السيراميك والحديد في ظل مشكلات تراجع معدلات إقبال المستهلكين وارتفاع تكلفة المنتجات ، منوها أن الطاقة تعتبر جزءا ليس بسيطا من تكلفة المنتج سواء في الصناعات المعدنية والهندسية ومواد البناء .

أضاف العايدي أن متوسط أسعار الغاز الموردة للمصانع العاملة بالقطاع الهندسي في الأسواق المجاورة مثل دول الخليج العربي لا تتجاوز عن 4 دولار للمليون وحدة حرارية وهو الأمر الذي قد يؤدي لصعوبة المنافسة بالمنتجات المصرية في تلك الأسواق .

فيما يرى رجل الأعمال عمر مهنا رئيس مجموعة السويس للأسمنت ، إلى وجود ضرورة لتحديد أسعار توريد الغاز وفقا للأسعار العالمية دون أن تتدخل الحكومة بدعمه للمصانع ، مشيراً إلى أن مطالبة الحكومة بتخفيض السعر يتناقض مع سياساتها الرامية لرفع الدعم الموجه للطاقة خلال الفترة المقبلة .

أشار إلى أن القطاع الصناعي يتطلب وقف كافة أشكال الدعم الحكومي وأن يتاح السوق لمفهوم التنافسية وعدم التخوف من تراجع بعض القطاعات أو توقفها ، منوهاً أنه لا يمكن النظر لمصلحة بعض القطاعات دون التركيز على مصلحة الاقتصاد المصري بشكل عام .

 

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>