ولاتزال آمال «عمدة» القلب

أحفظ ذكراك فى سريرة نفسى، فى أنقى حيز فى كيانى، لا تطاله يد بشرية، وحين تحين ذكراك فى الحادى عشر من مارس أستشعر الافتقاد الكبير وأدق على صندوق افتراضى يضم حفنة من أيامنا معاً منذ رأيتك لأول مرة فى الأقصر تمثلين الربيع فى ازدهاره، حتى آخر لحظة على «جهاز تنفس صناعى» لا يسمع توسلاتى الدامعة ألا يكف القلب عن الخفقان وأن يظل الشهيق والزفير معلناً الحياة، الحياة التى انطفأت قرب الفجر وكان ذلك إيذاناً بسفر طويل طويل بلا عودة، وعشت أحمل كراهية شديدة لجهاز التنفس الصناعى وأشعر – عفواً – أنه «يتحدى» إرادة الله.

 

■ ■ ■

نساء الأرض – يا آمال – فى الأسواق طيلة أيام الأسبوع وطيلة أيام الشهر وطيلة أيام السنة وفى العطلات والأعياد والمناسبات يتشابهن فى الملامح الأساسية للبشر ويختلفن فى القلوب والعقول والطباع، والحياة رجل وامرأة وميلاد ورحلة وابتسامات وعذابات وموت، وأجيال تولد وتحيا وتموت ولا نهاية تعيها العقول للبشرية. إنه السؤال الأوحد بلا إجابة. أين ذهبت؟ أين اختفيت؟ لماذا هجرت صحبتنا؟ لماذا رحلت مبكرة؟ ولم أكن أفهم معنى هذا الدعاء قبل رحيلك. حين كنت أسمع من يقول لى «حسك فى الدنيا». كنت أشعر أن صاحب الدعاء يتمنى لى طول العمر. يتمنى أن يجلجل صوتى حياة، وقد أرادت ابنتنا الوفية أجمل هداياك لى أن تمد فى أجل صوتك فاختارت من برامجك العديدة على مدى سنوات العمر ما لم يذع للناس وقد كنت مذيعة الكبار قيمة وقامة ومقاماً، فلا أظن مذيعة استطاعت فى وقت وجيز أن تحشد فى شرائطها الفكر المصرى والفن المصرى حتى صار إنتاجك الإذاعى هو «الشريط الوثيقة»، وراء هذا الجهد غير العادى إرادة حنان ومثابرتها وعزمها على أن تهدى روحك «ذكرى» ثانية وننتظر موافقة هيئات تعرف معنى الكلمة المذاعة حين تفوح بعطر الفكر، هيئات جادة أمام عرض جاد مصرى الهوية.

ذلك أننا – يا آمال – فى مرحلة تحترم «الأمس» بشدة وتخشى عليه من «اليوم» وربما لا يتكرر العطاء «غداً»، لكن أصوات الماضى لن تضيع خصوصاً ما لم يذع من شهادات واعترافات، أرأيت كم تشاركينا الحياة رغم غيابك؟، إنها حنان التى أعادت نشر كتبك وتريد إعادة إذاعة ما حجب عن مستمعيك. أما أنا فأشاركها بالرأى وهى «مرنة التفكير» رغم أن أمها هى «آمال العندة» على حد وصف صديقتنا الحميمة كوثر هيكل أديبة السيناريو الروائى.

■ ■ ■

مازلت أغمس قلمى فى محبرة الشوق الجارف وأكتب لك، فقد كنا زمان قلبين، الموت فرَّقنا، كان من الممكن «الهجرة» مع أسرتك مثلما فعل أشقاؤك كمال وصبرى وشريف، لكنك اخترت البقاء معى نتقاسم الحلوة والمرة! أتذكر حين فصلنى النظام الشمولى عام 64، كان حنانك نهر حياة من أفعال بنات الأصول الصعايدة، وكنت أتقاضى راتباً 21 جنيهاً ولا أملك شقة وسيارة. لكنك راهنت على «خير شباب قبط مصر» كما تطلقين علىَّ. ظل قاربنا يتهادى فوق صفحة التفاهم والتناغم والخلافات الصغيرة. ولم تكن الحياة من حولنا نزهة. وجاءت حنان سندى فى الحياة وأسرتى الصغيرة المكونة من زوجها رجل الأعمال المحاسب حليم رمزى وحفيدى الطموح دارس اللغة الإسبانية وشؤون الأعمال، وصعدت حنان سلم الكتابة وصارت «زميلة» فى الدعوات الرسمية! مازال الناس يتذكرون برامجك المسموعة فقد أقام صوتك فى فندق الذاكرة المصرية رغم الرحيل.

■ ■ ■

عشنا – يا آمال – لحظات للاقتراب والبعاد والشوق والحنين والملل والحزن والبهجة والفرح لأن الحياة لم تكن فى سهولة أرض خضراء، وفهمنا متأخرين أن للحياة وجها آخر تضاريسه صخرية وله نتوءات. الدنيا تغيرت وفى مصر الآن حرب على الإرهاب، والناس لا تبيت دون عشاء ولكنهم مقابل الأمان – أغلى سلعة – لبلد بعد ثورتين يجعلهم يضحون، والمصريون يطوعون الحياة بطريقتهم وبعد أيام نذهب لصناديق الانتخاب نعطى أصواتنا لرئيس مصر الآن واسمه السيسى: «رجل معتدل مصرى للنخاع، دكر ويهدد بالقوة الغاشمة من يحاول العبث، وإسقاط الدولة»، أعلنت له ولائى ولم أخف وفائى لمبارك.. وفى رئاسة السيسى الثانية سيعيش البيت المصرى.. أفضل.. فاطمئنى علينا ولعلك تسمعين صهيل أحزانى.

■ ■ ■

آمال.. ما زلت «عمدة» القلب.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>