البحث عن الحقيقة

الاعلامية دينا عبد الفتاح

الدول لا تُبنى إلا إذا وضعت يديها على نقاط قوتها والتمرد على ما هو واقع، خاصة في أوقات الأزمات حيث تكشف الحقائق عن نفسها بوضوح .

وفي الحالة المصرية الحقيقة واضحة، تبنت الدولة برنامجا اقتصاديا طموحا للانطلاق نحو المستقبل بخطوات ثابتة، إلا أن إدارة هذا الملف بكل تحدياته تحتاج إلى عدد من الآليات غير الاستثنائية للانتقال لمرحلة ما بعد الإصلاح، خاصة وأننا مقبلون على انتخابات رئاسية يجب أن يسيطر بعدها سياسات مرتكزة على أساليب التنمية الدولية التي تركز على تحسين الاعتماد على الذات، وصناعة القرار المشترك في المجتمعات المحلية والتنمية البشرية، وإحداث تغييرات في الممارسات والقيم البيئية والسياسية والاجتماعية.

فبحجم المسئولية يجب أن تكون الإدارة متنوعة وعلى نفس القدر.

ولا يصح الكلام عن دولة حديثة إلا وتشكل المرأة القوى الناعمة فيها عبر تواجد واضح لها على مستوى صنع واتخاذ القرار في الحكومة أو المشاركة في وظائف الإدارة العليا في أجهزة الدولة والقطاع الخاص .

وبلغة الحقائق افتقدت مصر لعقود طويلة التواجد القوي للمرأة، بسبب ثقافات دخيلة سيطرت على عقل الدولة وأجندتها للمستقبل، انزوت فيها المرأة على الهامش كمواطنة من الدرجة الثانية ليس لها حقوق إلا العيش وتربية الأولاد وإعداد الطعام .

ونتيجة لذلك وبقوة هذه الثقافة والظروف المجتمعية، وصلنا إلى مناقشات متعلقة بظواهر دونيه كالتحرش بها ومضايقتها في أماكن العمل، والضغط عليها بغرض كبتها وجمح طاقتها الإيجابية التي وإن وجدت بشكل كامل سيحدث الفارق الذي نبحث عنه بلا مبالغة أو تهويل .

في لحظات الظلام، يجب أن تبحث عن الحقيقة بقلبك .

الحقيقة متجلية في أن المرأة قادرة على إحداث الفارق في المجتمع، إن فتح لها الباب ووفرت لها الفرصة.

وهذا الإيمان لم يكن نتاج فراغ وإنما نتيجة مجموعة من المواقف التي أثبتت فيها المرأة جدارتها وكفاءة منقطعة النظير في إدارة الأعمال والشركات بل والدول المتقدمة أيضاً، والنماذج كثيرة وواضحة .

وأعجبني كثيراً مقولة الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي ونائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة؛ التي ذكر فيها “نحن لا نمكن المرأة، نحن نمكن المجتمع بالمرأة”، دليل على إيمانه الشديد بمكانة المرأة وقدرتها على إحداث الفارق في المجتمع.

قوة المرأة في الإدارة أثبتت للجميع أنها ليست ذلك المخلوق الضعيف الذي نادى العالم على مر العصور بحمايته، أو تلك الأنثى مهضومة الحقوق التي طالبت المنظمات الحقوقية بالحفاظ على مطالبها الأساسية.

وإنما أثبتت أنها قادرة على التعايش مع المجتمع والانخراط فيه وتشكيل حجر الزاوية في مستقبل أوطان بأكملها، ليس من خلال توليها بناء الأسرة التي تعد الوحدة الأهم في أي مجتمع، وإنما بقدرتها على بناء الشركات متعددة الجنسيات، وقيادة الحكومات، ورئاسة المؤسسات الدولية التي تتعامل مع مختلف الدول.

المرأة؛ وفقاً لكل التقارير الدولية أصبحت مكون رئيسي في نجاح جهود التنمية في أية دولة أو إضعافها .

فالمرأة تشكل  في مصر 48% من حجم السكان تقريباً، وبالتالي فهي تمثل نصف المجتمع حرفياً، وهنا حال عدم استغلال هذه القوة البشرية الهائلة و”هو الحادث بالفعل”، سيعمل المجتمع بنصف طاقته، وسيتدهور المستوى المعيشي للمواطن نتيجة تراجع متوسط نصيب الفرد من الدخل، وستنتشر معدلات الفقر نتيجة اضطرابات دخول الأسر وعدم مناسبتها لتكاليف المعيشة “وهي النتيجة بالفعل”.

وكشف مؤشر رأس المال البشري التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي أن الفجوات بين الجنسين في مكان العمل في مصر لا تزال مرتفعة جدا، ومن شأن إغلاق هذه الفجوة  أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي في مصر بنسبة 34%!.

“نسبة” تحتاج إلى مراجعات فورية لتجربتنا في ملف تمكين المرأة الاقتصادي، والكثير من النقد لحجم قصور السياسات والتشريعات الحالية الحاكمة.

على الجانب الأخر ، فى معظم أنحاء أوروبا يتزايد الاتجاه لتمكين المرأة بدعم من الحكومات، وكانت النرويج قد فرضت فى عام 2008 قواعد تجبر الشركات المدرجة فى البورصة على تخصيص ما لا يقل عن 40% من مقاعد مجالس إداراتها للنساء، مع فرض عقوبات على الشركات المخالفة تصل إلى إغلاقها.

وخلال السنوات الخمس التالية، ما يزيد على 12 دولة فرضت كوتة مماثلة تتراوح بين 30% و40%. وفى بلجيكا وفرنسا وإيطاليا تعرضت الشركات المخالفة لعقوبة «التصفية»، لكن فى ألمانيا وإسبانيا وهولندا، كانت القواعد أقل تشددا بدون عقوبات على عدم الامتثال.

وفى ظل القواعد الجديدة، سارعت الشركات بالامتثال، فى بعض الشركات الكبرى تضاعف عدد النساء فى مجالس إداراتها 4 أو 5 مرات منذ 2007 وحتى فى بريطانيا قفز العدد إلى 27% فى 2017 بزيادة أكثر من الضعف مقارنة بعشر سنوات ماضية.

قوة السياسات الاقتصادية في مصر، توفر الأساس الذي يمكن البناء عليه للمستقبل وتحسين مستويات المعيشة، لكنها غير كافية ما لم تدعم ببنية من السياسات التي تغير ملامح الصورة بشكل واضح ومتطور، وتمثل قوة دفع رئيسية، وهو ما يتمثل في ملف المرأة .

القيادة السياسية في مصر ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعمل في الوقت الراهن على دعم الدور الهام للمرأة العاملة في المجتمع والاستفادة من الخبرات الدولية في هذا الشأن في إطار سعي الدولة لتطوير مؤسساتها والوصول إلى مؤشرات تنموية أكثر إيجابية، وذلك في سباق العديد مع دول العالم التي سبقت مصر في الاستفادة من الطاقة الإنتاجية للمرأة وصعدت بها إلى مناصب قيادية عليا مكنتها من تحقيق مؤشرات تنموية جيدة.

وتخطو الدولة نحو زيادة تفعيل المرأة وانغماسها في مخططات التنمية المستقبلية حيث تركز استراتيجية التنمية 2030 على هدف رئيسي وهو أن تصبح المرأة المصرية فاعلة رئيسية في تحقيق التنمية المستدامة بحلول 2030، وتشمل استراتيجية 2030 أربعة محاور عمل متكاملة وهي التمكين السياسي وتعزيز الأدوار القيادية للمرأة، والتمكين الاقتصادي، والتمكين  الاجتماعي، والحماية.

لكن هل هذا كافي ؟

أحرزت مصر تقدماً نسبياً في ملف المرأة، شوهد بوضوح لأول مرة في تواجد 6 وزيرات في الحكومة الحالية، تحملن حقائب وزارية صعبة وشائكة كالاستثمار والتعاون الدولي، والسياحة، والتخطيط، والثقافة، والهجرة، والتضامن الاجتماعي .

وهي حقائب وزارية حساسة ومتصلة بوضوح بالمجتمع، وهو توجه حضاري سيحرك المياه الراكدة بالتأكيد وسيدفع المجتمع نحو تحرير الصورة الذهنية عن عمل المرأة، ناهيك عن الثقة في قدرات المرأة المصرية على تحقيق نجاحات رفيعة تمثل مثل أعلى للكثير من الأجيال المقبلة.

إلا أن هناك بعض المؤشرات التي تستدعي مراجعة موقف الدولة، وإعادة النظر مرة أخرى في ملف المرأة على اعتبار أن ما هو كائن ليس أفضل .

فيقين الأرقام هو الأدق، وأيضا يمثل البداية الصحيحة إذا وجدت  .

فنسبة مساهمة المرأة مثلا في قوة العمل في مصر سجلت 22.9% خلال العامين الماضيين، مقابل مساهمتها في إجمالي السكان بأكثر من 48% وهذا الأمر يعطي مؤشراً هاماً على مشكلات اجتماعية تُخفض الحافز على العمل لدى المرأة، وتعد أهم المشكلات أيضا إلتزام المرأة في المجتمع بتربية الأبناء وفي نفس الوقت عدم توافر الأماكن المناسبة لاحتواء الأطفال أثناء تواجد الأم في العمل، يأتي ذلك بالإضافة لتراجع متوسط أجور السيدات بنحو 20% تقريباً عن متوسط أجور الذكور في عدد كبير من الأنشطة الإنتاجية والخدمية.

كل هذه العوامل شكلت تحدياً رئيسياً أمام زيادة الحافز على العمل لدى المرأة وجعلتها في كثير من الأحيان تُفضل المكوث في المنزل نتيجة غياب الظروف الملائمة لعملها، وهنا تنخفض مساهمتها في قوة العمل، بما لا يتناسب مع مساهمتها في إجمالي السكان، ليسجل معدل البطالة بين السيدات نحو 24.2% للإناث مقابل أقل من 10% للذكور.

وبالتوجه لفئة المناصب العليا، وصلت نسبة تمثيل المرأة في رئاسة مجالس الإدارات في مصر إلى 4.9% بالقيادات العليا للشركات عام 2016 مقابل 7.1% خلال 2015 وفقا لمؤسسة التمويل الدولية وهو ما يسجل تراجعاً غريباً، يجب البحث عن أسبابه، خاصة وأن النسبتين ضئلتين جداً مقارنة بدول أخرى.

هذه الأرقام الموجعة، تحتاج من وجهة نظري إلى فوائض قوة ممثلة في تواجد ظهير مجتمعى قادر على العمل والنفاذ مع أجهزة الدولة المعنية، ممثلة في “سيدات تكنوقراط” تخطين المراحل الصعبة ووصلن إلى مستويات رفيعة من المناصب العليا لقدرتهن على النهوض بملف المرأة باعتباره عقيدة راسخة وليس مجرد قضية تتعالى فيها الأصوات!.

وبدون انحياز؛ أثبتت تجربة أموال الغد في تأسيسها “منتدى الخمسين سيدة الأكثر تأثيرا بالاقتصاد”، فعالية في هذا التوجه، الذي يمكن البناء عليه وغيره من التجمعات النسائية الفاعلة، للتركيز والعمل على مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية وتمكين “المرأة التكنوقراط” بهدف تطوير تفعيل السياسات والإجراءات التي من شأنها تأهيل المرأة المصرية للقيادة، والدفع بقوة نحو سياسات تشريعية حاكمة توفر للمرأة الغطاء المجتمعي والقانوني الذي يساهم في اقتحامها مجالات العمل المختلفة.

وأثبتت تجربة المنتدى في تعاونه مع المجلس القومي للمرأة والبنك المركزي المصري مدى التطور الحادث في أجهزة الدولة واهتمامها بشكل أكبر بقضية المرأة وتطور رؤيتها من برامج مقتصرة لدعم المرأة المعيلة؛ إلى استراتيجية شمولية تستهدف إكتشاف وتأهيل كوادر نسائية مؤهلة للقيادة.

وهنا أوجه الدعوة لكافة الهيئات والمنظمات ذات الشأن بالمرأة إلى ضرورة الاتفاق على آليات محددة للعمل عليها.

فقضية دعم المرأة وتأهيلها للقيادة تحتاج إلى مزيد من وضوح الأهداف، والقوى الداعمة حتى تصل إلى الأهداف المرجوة منها في أقرب وقت، خاصة وإن كنا عازمين على المضي قًدما في أهداف الإصلاح الاقتصادي وتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>