اختراع النجاح!

وأزمات الدول؛ ليست نتيجة نهائية لكنها مفتاح للتحسن وإعادة ضبط الإدارة، للوقوف من جديد واستعادة الثقة في النفس.

التجربة المصرية في الأزمات إن صح القول، كبيرة ومتعددة على مدار التاريخ، لكنها وإن كشفت على المتسببين فيها، كشفت أيضا عن شخصيات فارقة في تاريخنا آمنو بالنجاح كدستور وعقيدة.

والإحتفاء بالنجاح هو عين الاعتبار خاصة في المجال الاقتصادي الذي لا يعترف إلا بلغة الأرقام.

اختلاطنا كمؤسسة صحفية اقتصادية برجال الأعمال وصناع القرار كشف لنا أن السوق في حاجة لعمل تصنيفات توفر معلومات وأيضا تدفع بالكشف عن شخصيات فاعلة، وهو ما دفعنا لعمل قمة الأفضل لتشجيع النهضة الاقتصادية في مصر، وتوفير مؤشرات حقيقية عن مستوى انعكاس السياسات والبرامج الاقتصادية المطبقة على نشاط الشركات والقطاع الخاص الذي يُعد اللاعب الرئيسي في معدل نمو اقتصاد أي دولة.

الحدث هذا العام يأتى بعد التطور الإيجابى والملموس في مؤشرات الاقتصاد وخاصة ارتفاع معدلات النمو وتجاوزها 4.2% خلال العام المالي الماضي، والقفزة التي شهدتها الاستثمارات المحلية والأجنبية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن تطور الاحتياطي وتخطيه حاجز 38 مليار دولار لأول مرة في تاريخ الاقتصاد، بالإضافة إلى تعافي ميزان المدفوعات وتحقيقه فائض سنوي اقترب من مستوي 14 مليار دولار.

كل هذه التطورات كانت نتيجة مباشرة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نفذته الحكومة بكل كفاءة ابتداءاً من نوفمبر 2016، من خلال اتخاذ قرارات مصيرية بتحرير أسعار الصرف، وتحريك أسعار الوقود وإجراء تعديلات ضريبية هامة، فضلاً عن التشريعات الجديدة التي صدرت وعلى رأسها قانون الاستثمار الجديد.

الأمور اختلفت بشكل كبير على المستوى الاقتصادي بقدر حجم الرهانات التي قامت بها القيادة السياسية في المواجهة وتغليب المصلحة العليا.

وهنا كانت الأهمية النسبية لتصنيف 2017 أكبر، إذ سيوضح هذا التصنيف مدى انعكاس برامج الإصلاح على أداء الشركات العاملة في السوق المصرية، والمدرجة بسوق رأس المال نظراً لتوافر بياناتها المالية، والكشف عن مدى صمودها وقدرتها في مواجهة الأزمات.

كشف التصنيف والدراسات والتحليلات التي أجراها الفريق البحثي المتخصص التابع للمجلة عن تعافي نسبي في مؤشرات مبيعات الشركات وانعكاس ذلك على مستويات أرباحها خاصة خلال النصف الثاني من 2017 مقارنة بالفترة السابقة لها والفترة المناظرة من 2016، مع نظرة مستقبلية متفائلة تقوم على توقعات بتعافي الطلب الكلي واستمرار تدفق الدخل للفئات محدودة ومتوسطة الدخل اللتان يشكلان القوة الاستهلاكية الأكبر واللتان يرتفع لديهما معدل الاستهلاك كنسبة من الدخل بشكل كبير مقارنة بمرتفعي الدخل، خاصة بعد الاتجاه المتوقع للبنك المركزي لتخفيض أسعار الفائدة السائدة حالياً بعد أن نجح في معركته مع التضخم وتراجع هذا المعدل ليسجل 14.35% بنهاية يناير 2018.

وكشفت الدراسات المصاحبة للتصنيف عن تأثيرات سلبية محدودة أو متلاشية للإصلاح الاقتصادي على الشركات المنتجة للمنتجات الوسيطة التي يتم استخدامها في عمليات إنتاجية أخرى، مع تأثيرات سلبية أكبر على الشركات المنتجة للمنتجات النهائية التي توجه للمستهلكين مباشرة وخاصة منتجي السلع غير الضرورية والتي تحتل مواقع متأخرة في قائمة الأهمية النسبية للمستهلك، وذلك كنتيجة طبيعية لتراجع القوة الشرائية للأفراد وتحّول الطلب من السلع الكمالية إلى السلع الأساسية، فضلاً عن انحسار الطلب على السلع الأساسية ذاتها بسبب تراجع ثقة المستهلكين خلال الفترة التي أعقبت تحرير أسعار الصرف وشهدت قفزات كبيرة بمعدل التضخم.

أظهر التصنيف وجود شركات مصرية قوية بالفعل ولديها تعاملات كبيرة مع العالم الخارجي كما أن كثير من هذه الشركات أصبحت محل ثقة لدى الكثير من المستهلكين حول العالم، وهو الأمر الذي يشجعنا على ضرورة تطوير علامات تجارية مصرية تتواجد بقوة في الأسواق الخارجية، وتحمل اسم مصر معها لترويج الفرص المتاحة في مصر والتي أدت لظهور مثل تلك الشركات الكبيرة والعلامات التجارية العملاقة.

ونرى جميعاً مدى ارتباط العلامات التجارية المتقدمة والمنتشرة عالمياً بالدول التي تمثل موطنها الرئيسي، فنري على سبيل المثال سامسونج وهيونداي يمثلان كوريا الجنوبية، بينما تمثل مرسيدس وسيمنز وغيرهم فخر ألمانيا الذى تتباهى به، كما أن أبل وجنرال إلكتريك يمثلان الولايات المتحدة، بالإضافة لهواوي ولينوفو اللتان يمثلان الصين الشعبية، وسوني وتيوتا اللتان يمثلان اليابان.

كل دولة من تلك الدول المتقدمة لديها علامات تسوق صناعتها حول العالم، وتشجع العالم على اقتناء منتجات هذه الدول باعتبارها أنتجت بالفعل سلعاً عالية الجودة حازت ثقة مئات الملايين أو مليارات البشر حول العالم.

ولدينا في مصر الكثير من العلامات التي كتبت اسم مصر بحروف من نور، وعلينا الآن مساعدتها لكي تنمو، وتحقق المزيد من الإنجازات والانتشار.

ثمة محور هام أيضاً يتمثل في ضرورة تهيئة البيئة المناسبة لظهور وتأسيس شركات ناشئة جديدة تستثمر في التكنولوجيا من خلال أفكار مبدعة لديها القدرة على النمو المطرد والسريع، حتى تحقق شهرة عالمية تمكنها من تعظيم إنتاجها ونشاطها، وذلك من خلال ترسيخ ونشر مفهوم ريادة الأعمال والبحث عن آليات حقيقية لتعزيز هذا المفهوم بين مختلف الفئات خاصة الشباب باعتبارهم الفئة الأقرب للتطورات التكنولوجية المتلاحقة والأجدر على استيعابها بشكل سريع، فالشركات الناشئة كانت سمة مشتركة في تقدم وتطور وصعود العديد من اقتصاديات الدول في القارات المختلفة.

وعلى الرغم من الحراك الاقتصادي الذي شهدته مصر على مدار الفترة الماضية فإنها لم تشهد نمواً سريعاً في تأسيس وإنتاج الشركات الناشئة، الأمر الذي أثر بالسلب على مؤشرات النمو التي كان يمكن تحقيقها في أعقاب تنفيذ برنامج إصلاحي قوي كالذي نفذته الحكومة على مدار الشهور الماضية، حيث تمنحنا التصنيفات التي نجريها بين الوقت والآخر مؤشرات فعلية على حركة كل شيء في الاقتصاد، كما إنها تعطينا مؤشرات مبدئية على شكل المستقبل وتطوره، لذا ينبغي أن تدعم الدولة مثل هذه التصنيفات وتقف إلى جوارها باعتبارها توفر مرآة حقيقية لأداء الاقتصاد في الحاضر، وترفع من إمكانية توقع أداؤه المستقبلي.

وأثبتت التجارب السابقة أن وجود وتنامي الشركات الناشئة في أي اقتصاد يُعد الأداة الأبرز لتعزيز استدامة النمو الاقتصادي، باعتبار أن تطور أداء هذه الشركات يتم بسرعة كبيرة وينعكس مباشرة على أداء الاقتصاد من خلال تنامي حجم الإنتاج، وزيادة الطلب على العمالة وتعاظم القدرة على جذب العملة الأجنبية، وكذلك توفير موارد مالية للدولة تحد من تفاقم أزمة المديونية العامة، وتحسن من مؤشرات الموازنة العامة للدولة التي تمثل الدافع الرئيسي لتحديد شكل السياسات الاقتصادية سواء كانت توسعية أو انكماشية.

وعلي الرغم من محدودية دور الشركات الناشئة والشركات التكنولوجية التي تقوم على مفهوم ريادة الأعمال والتي عادة ما ترتبط بالشباب والمستثمرين الجدد في السوق، إلا أن القطاع المصري أثبت قوة منقطعة النظير على مدار الفترة الماضية، وأثبت قدرته على دفع مؤشرات النمو في الدولة بشكل كبيرة من خلال تنفيذه لأكثر من 60% من إجمالي الاستثمارات، ومساهمته بأكثر من 85% من إجمالي الإنتاج، واحتوائه أكثر من 70% من إجمالي القوة العاملة في الاقتصاد.

وهنا يجب استثمار هذه القوة وتدعيمها من قبل الدولة من خلال مد الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص لمجالات جديدة بخلاف المجالات التي تشهد شراكة حالياً في العقارات والطاقة، بحيث تعمل الدولة إلى جانب القطاع الخاص في مشروعات محددة تتسم بارتفاع حظوظها في النمو السريع وتوليد الربح والدخل وتوفير فرص العمل، ونجد أن الحس الوطني الحقيقي للقطاع الخاص المصري يعد العلامة الفارقة وحجر الزاوية في نجاح مثل هذه المبادرات؛ بدليل المواقف الصعبة التي وجدنا فيها القطاع الخاص المصري يلعب دوراً وطنياً بكل معاني الكلمة دون التفاته لحسابات مجردة تتعلق بالربح والثروة.

وقد تمتد هذه الشراكة التي يمكن أن تطلقها الدولة مع القطاع الخاص لتكوين رؤية حقيقية وشراكة فاعلة بين الحكومة ومجتمع الأعمال الخاص والجمعيات الأهلية وتنظيمات رجال الأعمال من أجل طرح أداة ترويجية هامة لكل ما يحدث على أرض هذا الوطن، وسينعكس هذا المجهود بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار الأجنبي وتوفير الحياة المناسبة للمواطنين في مصر.

حيث أن التعريف بشخصية الاقتصاد المصري الحقيقية، والفرص التي يتمتع بها، والترويج له كقوة اقتصادية صاعدة قادرة على جذب وتوطين الاستثمارات الأجنبية والتصدير للخارج يعد أحد الوسائل الهامة التي نفتقدها بشكل كبير خلال الفترة الحالية خاصة مع التحديات الضخمة التي نواجهها والأطراف الدولية التي تصارع مصر وتسوقها على أنها أرض الإرهاب والاضطرابات، على عكس الوضع الحقيقي الذي يشجع على التفاؤل والعمل والتقدم.

أرى أن كل هذه الأفكار وغيرها من الأفكار البناءة لابد أن تكون هي محور أداء الدولة خلال الفترة الرئاسية المقبلة، التي أتوقع أن تشهد استمرار البناء والبداية الحقيقية لحصد الثمار.

النجاح أولاً والنجاح أخيراً.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>