قد لا ينتهى العالم تدريجياً

إنّها واحدة من أفضل الذين حصلوا على جائزة نوبل للسلام منذ نشأة الجائزة وحتى الآن.. إنّها السيدة «بياتريس فين».

لقد أعادتْ السيدة «بياتريس» الاعتبار لجائزة «السلام» التى طالما لقيت انتقاداتٍ واسعةٍ.. دعتْ البعض للمطالبة بإلغائها.

(1)

ثمّة مستويات ثلاثة لجوائز نوبل: المستوى الأول.. جوائز نوبل فى الطب والعلوم.. وهى جوائز تحظى بالاحترام والإجماع. والمستوى الثانى.. جوائز نوبل فى الاقتصاد والأدب.. وهى جوائز تحظى بقدرٍ واضحٍ من النقد والاختلاف. والمستوى الثالث.. هى جائزة نوبل للسلام.. وهى تحظى بأقل قدرٍ من التقدير وأعلى قدرٍ من الغضب والهجوم. يتعلق الاختلاف فى المستوى الثانى بتعدُّد النظريات الاقتصادية وتنوع مدارس التنمية فيما يخصّ «نوبل الاقتصاد».. وبتعدد المدارس الأدبية والتنوع الهائل فى الذوق الإنسانى والثقافة العالمية.. فيما يخص «نوبل الأدب».

لكن جائزة نوبل للسلام لا تتعلق فحسب بوجودها وسط الحروب والتقلبّات ومناطق النزاع والصراع.. ولكن أيضاً لأن عدداً من الحاصلين عليها قد أفْقَدَ الجائزة مكانتها بما ارتكب من جرائم.. أو أنّه لم يفعل ما يستحق عليه هذا التكريم العالمى الكبير.

لقد حصل الرئيس الأمريكى باراك أوباما على جائزة نوبل للسلام دون أن يكون قد تعرّف على قضايا الصراع فى العالم بالقدر الكافى.. فضلاً عن أنّه لم يشارك فى حلّها.. كما حصلتْ رئيسة وزراء ميانمار وشيمون بيريز على الجائزة.. وكلاهما ارتكب جرائم حرب.

(2)

هنا تأتى أهمية حصول السيدة «بياتريس فين» على جائزة نوبل للسلام.. إنّها تقود الحملة الأكثر إنسانية على مرّ التاريخ.. إنّها تسعى إلى إزالة الأسلحة النووية فى العالم.. أنْ يعيش الإنسان فى كوكبٍ خالٍ من الأسلحة النووية.

تحدّثت صاحبة نوبل للسلام 2017 إلى كل من صحيفة الإندبندنت وقناة يورونيوز.. وهنا موجز ما ترى:

1- العالم يواجه خياراً واضحاً.. إمّا نهاية وجود السلاح النووى أو نهاية وجود الإنسان.

2- سيتم استخدام السلاح النووى لا محالة.. سواء بالحرب أو بالصدفة، أو بالخطأ، أو بهجوم إلكترونى.. أو بهجوم إرهابى.

3- المخاطر النووية حقيقية.. ووقوع كارثة نووية كبرى أصبح أمراً حتمياً فى حال استمرت الأسلحة النووية موجودة.. هناك الغواصات الحاملة للأسلحة النووية تجوب بحارنا.. وهناك منصات لإطلاق الصواريخ النووية قد حدّدت أهدافها بالفعل.. وهناك زعيم كوريا الشمالية يقابله دونالد ترامب.

4- الدول التى وقَّعت على معاهدة حظر الأسلحة النووية ليست فيها دولة نووية واحدة، والدول النووية رفضتْ إرسال ممثلين لها لحضور حفل تسليم جائزة نوبل للسلام.

5- إن قتل مئات الآلاف من المدنيين من أجل «حماية الأمن القومى» هو «فكرة غبيّة».. وعواقب السلاح النووى تمتد مكاناً وزماناً.. ولا يزال الناس يعانون من آثار هيروشيما حتى الآن.

6- إن الاستثمار فى الأسلحة النووية من عام 2013 إلى عام 2016 كان كبيراً.. وقد استثمرت البنوك فى السلاح النووى خلال هذه الفترة نصف تريليون دولار.. ولكن العالم يحتاج إلى أن تتجه الاستثمارات إلى مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب والتغير المناخى.. هذه هى المجالات التى يجب أن يتجه إليها الاستثمار وليس السلاح النووى.

7- هناك أمل.. فقد نجحت معاهدة حظر الذخائر العنقودية، وفى عام 2016 كانت آخر شركة أمريكية منتجة للذخيرة العنقودية قد توقفت تماماً.

8- سيتم إنفاق الجزء المالى من جائزة نوبل للسلام 2017 -التى حصلت عليها- فى تأسيس «صندوق الألف يوم».. وذلك للعمل خلال السنوات المقبلة من أجل تحقيق هدف الإنسانية فى حظر السلاح النووى فى العالم.

هكذا تحدثت السيدة «بياتريس فين».. وهكذا عملت حملتها الرائعة. إن السيدة «بياتريس» تستحق من كل العالم أن يساندها.. فلربما نجحت الإنسانية حقاً فى إنقاذ نفسها.

(3)

إن العالم لن ينتهى تدريجياً.. ذلك أن خطأً نووياً واحداً يكفى لنهاية الحداثة.. وقتها سيبدأ عصر ما بعد الحداثة الحقيقى.. إنّه العصر الحجرى من جديد.. إنه بداية حقبة طويلة -وربما أخيرة- من البدائية المعاصرة!

لقد قطعت الإنسانية مسافة طويلة تمتلئ بالخيال والآلام من أجل الوصول إلى ذلك المستوى الأسطورى فى العلم والتكنولوجيا.. ومن الحماقة أن يسعى البعض لإنهاء الوجود على الأرض بينما يتطلع آخرون إلى الوصول لأشكال الحياة على الكواكب الأخرى.

إن دعم الحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية هو تدمير لصناعة الموت.. وتعظيم لصناعة الحياة.

لا استسلام من فضة ولا سكوت من ذهب.. وأن تأتى متأخراً خير من ألا تأتى أبداً.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>