مصر لا تتحدث عن نفسها!

عندما تتحدث الدول عن إنجازاتها لا تصدق في الداخل ولا الخارج.

هذه حقيقة يصاغ على أساسها الترويج الناجح للاستثمار في أي دولة، فمسألة الشك في ماتقوله الحكومات والمسئولين هو أمر بديهي “فرادي وجماعات وبالجملة”.

الحكومات الجادة “إذا كانت كذلك” تضع رؤية واضحة للتنمية وتوفر البيئة الاستثمارية المناسبة، وتعتمد على غيرها في تسويق ما تفعله بشكل مباشر أو غير مباشر.

وتبقى حقيقة أن أي خطاب لا يستند إلى حقائق واضحة على الأرض كأن لم يكن.

الدولة المصرية نجحت في تنفيذ برنامج شمولي للإصلاح المالي والنقدي بهدف تغيير واجهة البيئة الاستثمارية، ومعالجة الاختلالات الهيكيلة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، والتي تكشفت بعد ثورتين أكثر ما حققتا من فوائد هو اكتشاف أخطاءنا الطويلة، والتي توارت لعقود خلف معدلات نمو ليست جديرة بالثقة لغياب التنمية الحقيقية.

وأصبح الاقتصاد يمتلك عدداً من المعطيات القادرة وفقاً لمؤسسات دولية عديدة على جذب الاستثمار؛ تصدرها قرار تحرير سعر الصرف في 3 نوفمبر 2016، وتبني عددًا من الإصلاحات الضريبية، بالإضافة إلى ترشيد فاتورة الدعم خاصًة على المواد البترولية، وتعديل السياسة النقدية باتباع سياسة انكماشية للسيطرة على معدلات التضخم المرتفعة، وذلك عن طريق رفع أسعار الفائدة، وزيادة نسبة الاحتياطي الإلزامي الذي تحتفظ به البنوك لدى البنك المركزى، وصولاً للإصلاح التشريعي وإصدار حزمة من القوانين الهامة في مقدمتها قانون الاستثمار الجديد وإصدار اللائحة التنفيذية له مؤخراً وكذلك وضع الأساس لبنية تحتية قوية.

لكن ماذا بعد وأين تكمن المشكلة في التوقيت الحالي؟

تجربة الإصلاح الاقتصادي لم ولن تكن هدفاً في حد ذاتها، وإنما تتركز أهميتها في كونها التمهيد المطلوب لما يجب أن يكون في المستقبل، وهذه حقيقة وإلا كان ارتفاع الأسعار إنجازاً والتضخم هدفاً سامياً.

لكن المشكلة تكمن في الترويج الذي يعد أحد أبرز الأسباب الجوهرية لتحجيم نتائج برنامج الإصلاح، حيث أن هذا الملف مازال عالق في أبجديات الحكومة التي لن تستطيع حله إذا ما اعتمدت على نفسها.

فمصر ليست بارعة في التحدث عن نفسها في هذا الجانب، فهو ليس تاريخاً ولكن حقائق وأرقام، وشتان الفارق.

وأصحاب الحديث عن مصر لهم ألف وجه.

“الإعلام”، الذي بنى عناصره بعد الثورة  على الإثارة، والتمادي في الغلول في معالجة أية قضية، واستدعاء العاطفة والابتعاد تماماً عن المصداقية.

ومازال عالقاً حتى الآن في هذه الزاوية، فملف الإرهاب تعامل معه الإعلام كحملة دعائية شعواء استدعت الشك في مؤسساتنا الدينية، والانقلاب على أنفسنا تارة بالتخوين وتارة بالتآمر.

فمصر تحارب الإرهاب بأولادها وفلذات أكبادها على الأرض، لكن تصدير هذا كشعار مرحلة هو ضرر بين يقتل أي خطوات للإصلاح الاقتصادي، ويصدر للعالم أننا فوق كرة مشتعلة يملؤها الخطر والمؤامرات، كما يقتل في الداخل حيوية المجتمع ويثير الخوف داخله.

فالقصة لم ولن تنته عند الإرهاب الغاشم الذي يجب أن يسطر في التاريخ على الهامش، لكن قوامها سيكون قوة الإرداة المصرية وقدرتها على الإنجاز في أوقات الأزمات.

وإذا لم نغير من هذه الثقافة فإن تكلفة الحرب مع الإرهاب سوف تكون أكثر ضرراً.

ونفس أسباب الأزمة تنطبق على المسئولين عند الترويج للاقتصاد المصري، فهم أيضاً لا يساعدون على نقل الصورة بالشكل المطلوب.

وبإلقاء الضوء على النموذج المصري في الترويج للاستثمار خارجياً، نجد أنه يعتمد على استراتجية تتمثل بالتعاون المشترك بين مكاتب التمثيل التجاري في الخارج، وبين الهيئة العامة للاستثمار من أجل الترويج للفرص الاستثمارية، حيث تقوم الهيئة  بمد المكتب التجاري بالفرص الاستثمارية المتاحة والمعلومات اللازمة عن اللوائح والقوانين المتعلقة بالاستثمار.

وتقوم مكاتب التمثيل التجاري بدورها في الترويج لكل الأنشطة التي تنظمها الهيئة داخل وخارج مصر، بالإضافة إلى المعارض والمؤتمرات الدولية التي تشارك فيها المكاتب من أجل الترويج عن الاستثمار في مصر، هذا بالإضافة إلى إعدادها قاعدة بيانات متكاملة واستقبال الاستفسارات من قبل المستثمرين الأجانب حول المشروعات الراغبين إقامتها في مختلف المحافظات.

وهذا النموذج معيب في أساسه في ظل هذه الظروف حيث أن تحقيق الأهداف الاستثمارية لا يُبنى على “حديث الحكومة” بمقدار الحاجة إلى قاعدة معلومات محددة تتلائم مع الأوضاع الحالية يضعها أمام المستثمر “أصحاب المصلحة والمنظمات المعنية” بشفافية ووضوح، وطرح فرصة أو فرصتين ذات قيمة اقتصادية تحظى بقناعة المستثمرين وتتوافق مع أهدافهم وليست حزمة مشروعات تصيب أية مستثمر بالتشكك والقلق.

وفي زيارات الرئيس السيسى الأخيرة تظهر تفاصيل تلك الأطروحة، فرغم النجاح الاستثنائي لهذه الزيارات على المستوى السياسي خلال الفترة الأخيرة للعديد من الدول، إلا أنه لم يصاحبها تحرك قوي على مستوى الترويج للاستثمار في الإعلام الأجنبي ومؤسسات الرأي العالمية، والنتيجة منح الفرصة لأصحاب المصالح في الخارج تسويق عدد كبير من الموضوعات والتقارير المضرة لمصر بشكل واضح، والمتعلقة بملفات تجد لها أذناً وصيتاً في الخارج لتحجيم نتائج زيارات الرئيس.

والترجمة المباشرة لذلك تشير إلى أننا في حاجة ماسة لشركات متخصصة في هذا الشأن تمتلك الكفاءة الممكنة التي تساعدها في تعجيل تسويق الفرص بما يسرع فى عملية التنمية، وتجارب دول كثيرة في هذا الشأن.

في عام 2013 مر الاقتصاد الهندي بحالة من الركود المفجع، وحققت فيه الهند أدنى معدل نمو اقتصادي منذ عقد، فتبنت الحكومة الهندية حزمة من المبادرات الاقتصادية والاستثمارية ذات القيمة والنوعية، كان أبرزها حينما أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي إطلاق مبادرة “اصنع في الهند”، وارتكزت هذه المبادرة على جذب استثمارات أجنبية وخلق فرص عمل على مستوى 25 قطاعاً، أهمها قطاعات المواد الكيمائية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والسيارات، والإنشاءات، والتعدين.

ما هو مهم في هذه المبادرة، هو قيام الحكومة الهندية بالتعاقد مع وكالة إعلانات عالمية “Wieden+Kennedy” لتصميم المبادرة وإدارتها وترويج الفرص الاستثمارية على مستوى الدول، وذلك بالنظر إلى جملة النجاحات الكبيرة التي حققتها الوكالة في ترويج منتجات وخدمات كبرى الشركات العالمية مثل Nike، KFC، و Coca-Cola.

الأمر الذي حقق للهند مكتسبات غير مسبوقة على مستوى الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث اعتلت الهند صدارة الدول المستقبلة للاستثمار الأجنبي على مستوى العالم في عام 2015، وزادت نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر فيها 60% وذلك من الفترة ما بين سبتمبر 2014 (موعد إطلاق المبادرة) وسبتمبر 2016.

وهو ما يدعونا لضرورة التفكير بعمق في هذه التجربة وغيرها لتسويق القطاعات الأساسية والمشروعات التي تستهدفها الدولة المصرية.

ويأتي مؤتمر شباب العالم الذي انعقد في مدينة شرم الشيخ بمثابة فرصة أخرى للتسويق للاقتصاد المصري والسياسات الجديدة التي باتت بمثابة منهج أساسي للقيادة السياسية وصانعي القرار في الدولة، الأمر الذي يعد كفيلاً بطرح صورة جديدة لمصر أمام المجتمع الدولي، الذي اعتاد توجيه الرسائل الحادة للدول النامية فيما يتعلق بضرورة دعم الشباب وتمكين المرأة، فمصر بتجربتها الحالية تخطت حاجز تمكين أبناءها من الشباب لتصل إلى فتح حوار عالمي بين شباب مختلف الدول في كل قارات العالم، من أجل توحيد اللغة والمفاهيم، وبلورة رؤية شبابية مشتركة لمعالجة قضايا الحاضر والمستقبل، في حوار كل أطرافه هم حقاً بناة هذا الحاضر وقادة ذاك المستقبل.

وينبغي أن يكون التحرك لترويج مثل هذه الأحداث العالمية التي تقام على أرض مصر تحركاً مشتركاً ما بين الحكومة ومجتمع الأعمال الخاص والجمعيات الأهلية وتنظيمات رجال الأعمال من أجل تعظيم الاستفادة من هذه المناسبات، وطرحها كأداة ترويجية هامة لكل ما يحدث على أرض هذا الوطن، الذي تحول بالفعل من حالة الركود والكسل إلى حالة الرواج والعمل، وانطلق من الحركة العشوائية إلى الحركة المنتظمة الموجهة التي تستهدف الوصول إلى مجموعة من الغايات الرئيسية التي تمثل في مجملها حلم هذا الوطن في النمو والازدهار وصياغة تجربة عالمية على أرض مصر تكون بمثابة مرشد للأمم الناهضة والصاعدة في المستقبل، كما نحاول نحن الاستفادة من تجارب البرازيل والهند وماليزيا وتركيا وسنغافورة في الحاضر.

وهنا لابد أن أشير إلى أن تحركات مجتمع الأعمال الخاص والتنظيمات الأهلية لرجال الأعمال على غرار بعثة طرق الأبواب التي تذهب للولايات المتحدة سنوياً وبعثة طرق الأبواب التي دقت أبواب المملكة المتحدة هذا الشهر، لها مفعول السحر على المجتمع الدولي باعتبارها حملات تحظى بأعلى مستويات الثقة وبقناعة المستثمرين حيث يقودها ويحركها وينسقها مجموعة من رجال الأعمال ورؤساء الشركات المعروفة في الداخل والخارج، وبالتالي سيلقى حديثهم أعلى مستويات الاهتمام لكونه حديث نابع من قادة أعمال يعد الربح هدفهم الرئيسي، وتهيئة مناخ الأعمال وسيلة جذبهم، وتحسين المؤشرات الحقيقية للاقتصاد المؤشر الذي يقيسون به مستوى التقدم في أي سوق مقارنًة بالأسواق الأخرى.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>