الدَّين العام: هَمٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار؟

عنوان المقال مأخوذ من قول شائع عن الاستدانة، وهو أنها «هَمّ بالليل ومذلة بالنهار». وإذا نحّيْنا جانبا مواقفنا الشخصية من الاستدانة، على أساس أننا كأفراد لنا حرية الاختيار وتحمُّل عواقب اختياراتنا، فإننا لا نستطيع أن نفعل نفس الشىء فيما يتعلق بالدين العام. ارتفاع الدين العام فوق قدرة الاقتصاد على خدمته يثقل كاهل الجيل الحالى، ويضر بمصلحة الأجيال القادمة. وبما أن الدين العام قد تصاعد بشكل ملحوظ فى السنوات الأخيرة، دعونا نتساءل: هل نستطيع العيش دون استدانة؟، إذا لم يكن الأمر كذلك، هل وصل الدين العام إلى مستوى يبعث على القلق الشديد؟، وأخيرا، ماذا نحن فاعلون للتعامل مع هذه الإشكالية؟.

هل يمكن أن تستغنى الحكومة عن الاستدانة تجنبا لمتاعبها؟، لا أظن ذلك. طبعا من الممكن نظريا أن تواجه الحكومة عجز الموازنة (أى زيادة المصروفات العامة على الإيرادات) بزيادة الضرائب، حتى ولو كان ذلك بشكل مُغالَى فيه، أو تخفيض المصروفات، حتى لو تم ذلك بخشونة. مخاطر هذا الاختيار أنه يهدد بهروب المستثمر من جانب، وعدم رضا المواطن من جانب آخر. البديل الذى يُمكِّن الحكومة من الاستمرار فى الوفاء بالتزاماتها الأمنية والاجتماعية هو الاقتراض لسد عجز الموازنة، على أمل تحسن الأحوال فى المستقبل. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الاقتراض على أنه وسيلة نمد بها أرجلنا أبعد مما يسمح به «لحافنا».

إذا كان مبدأ الاقتراض ليس مرفوضا كلية، فهل تمادت الحكومة فيه إلى حد القلق الشديد؟ أعتقد ذلك. طبقا لبيان وزارة المالية لمشروع الموازنة العامة للسنة المالية 2016- 2017، وصل الدين العام المحلى، بتاريخ 13 ديسمبر 2015، إلى 92% من الناتج المحلى الإجمالى، وبإضافة نسبة الدين الخارجى (6.6%)، يكون إجمالى الدين العام قد وصل إلى 98.4%. ساءت الأمور بعد ذلك، وقفز الدين العام الإجمالى، بنهاية مارس 2017، إلى 136% من الناتج المحلى الإجمالى (94.7% دينا داخليا و41.2% دينا خارجيا). بالأرقام المطلقة، ارتفع الدين المحلى إلى 3 تريليونات جنيه، والدين الخارجى إلى 73.8 مليار دولار. على اعتبار أن عدد سكان مصر حوالى 95 مليون نسمة، فإن نصيب الفرد من الدين الداخلى وصل قرابة 31.580 جنيه، ومن الدين الخارجى قرابة 779 دولارا.

دون تهوين أو تهويل، وصول الدين العام إلى هذا المستوى يحتاج وقفة جادة. صحيح أن هناك جدلا حول الحدود الآمنة للدين العام، وصحيح أن الدول تختلف فى قدرتها على جذب واستيعاب المديونية الخارجية، إلا أن الأبحاث تشير إلى الكثير من التداعيات السلبية إذا ما تخطى الدين العام 90% من الدخل القومى. أما وقد تخطينا هذا الحد بشكل كبير، فالأمر يتطلب التريث فى الحصول على مزيد من القروض الحكومية، وكثيرا من الحكمة فى التعامل مع المشكلة.

فى هذا الإطار، ودون تنظير مُخِلّ، أعتقد أن لدينا ثلاثة سبل للخروج من هذا المأزق:

■ الالتزام بتحقيق فائض أولى فى الموازنة العامة لسنوات قادمة، أى زيادة الإيرادات على المصروفات، عدا خدمة الدين من فوائد وأقساط مستحقة. هذا الفائض يسهم فى تمويل جزء من تكلفة الدين، وبالتالى خفض العجز الكلى للموازنة ومعه الحاجة للاقتراض.

■ زيادة معدلات نمو الناتج المحلى، لأن ذلك من شأنه زيادة قدرة الاقتصاد على خدمة الدين واستيعاب قروض جديدة.

■ إحداث طفرة فى إدارة الدين العام، خاصة فيما يتعلق باستخدام القروض فى مشروعات لها عائد اقتصادى واجتماعى يفوق تكلفتها.

هذه الأفكار تتفق مع التوجهات المعلنة من قِبَل الحكومة، إلا أننا نفتقد آليات فعالة وملزمة للحد من تفاقم الدين العام والتأكد من الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للقروض. لتجنب هاتين المشكلتين، أدعو فى هذا المقال إلى النظر فى ثلاثة اقتراحات محددة: إصدار تشريع برلمانى يحدد سقفا للدين العام كنسبة من الدخل القومى (مثل أمريكا)، وإصدار تشريع آخر يضع سقفا لعجز الموازنة (مثل تشيلى)، وأخيرا، إعادة هندسة بنك الاستثمار القومى للتأكد من قدرته على تقييم ومتابعة المشروعات العامة والاستفادة القصوى من القروض من منظور تنموى.

حتمية البحث عن حلول جادة لمشكلة الدين العام تأتى من أنه وصل إلى مستوى يدعو إلى القلق الشديد. ضرورة تنفيذ هذه الحلول تُمليها علينا اعتبارات السلامة لأبنائنا وأحفادنا.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>