فى البحَثِ عن «الأُمَّة»..

ليس بعد «العَين» «أين».. هكذا يُقال.. أى أن جَلَاءَ المُشَاهَدة يكفى عن البحث والتحليل.

مَن يُعَطِّلُون الدساتير ويَحتقِرون الدساتير.. يعبثون بالدساتير تحت مسميات التعديل.. فما الجديد.. غير الهَرَج؟!.

ما الذى يستدعى الاستِنفار والصخب وإنفاق الجُهد فى تأكيد ما هو مؤكد.. فمَن لم يرَ فى التعطيل والإجهاض ما يدعو للاستنفار والغضب.. فما الذى يجعل الاستنكار والفورة هما الفعل الأَوْلَى عند استباحة المستباح سلفاً والتمثيل بالوثيقة المُمَثل بها وبجوهرها سلفاً بعد قَتلِها بالتجميد والاحتقار؟!.

لن ينتهى الهَرَجُ السياسى فى مصر فى قريب.. فهناك من يَصنعُه.. وهناك مَن يَحيَا عليه.. وقبل ذلك هناك حاضنة تُغَذِّيه بالخِفَّةِ والأثَرَةِ والافتِتَان بالسطوة وأوهام القوة..

ولن يزول الاستنزاف الاقتصادى والاجتماعى والإنسانى بالكُلِّية فى مجتمع يُرَاد له أن يبقى يلهث ولا يلتقط أنفاسه.. فهناك مَن بقاؤهم مَقرون ببقاء مُجتَمع لاهثٍ لا يقوى على فِكرٍ أو قَول أو فِعل.. وإلا بَدَت عوراتُهم وتهافُتُهم وخِفَّتُهم..!.

ولكن تبقى الاستجابة لغواية الهَرَج السياسى أو الاستسلام لدور الضحية هى التضييع بعينه..

ويظل استحضار المظلومية والتماهى فيها ليس فعلا سياسياً ولا حتى إنسانيا ذا قيمة..

الأجدى فى أوقات الهرج هو التسامى عليه والبحث فى أصل احتياج المجتمع لا الاستسلام لما يُملَى عليه ويُرَادُ به..

الأَوْلَى فى أوقات الأزمات الكبرى والمِحن أن نَجتَهِد لنعرف لماذا يجافينا العدل بالأساس.

ولن يكون من فعل أَوْلَى فى وقت الهرج الحالى والتالى إلا فى البحث عن «الأُمَّة».

وإن بَدَت تلك كلمات تَحُثُّ على فِعلٍ مُستقبلى- بعيد أمَد- فى وقت حرائق حالَّة يُراد لها ألا تنطفئ.. فيظل هو فعل العقلاء والعدول والمخلصين إذا أرادوا قيادة لمستقبلهم فى وقت أزمة أو غير أزمة.. وأى دعاوى غير ذلك باسم مجابهة الواقع الحالّ وعدم التسويف- مع التسليم بإخلاصها- لن تخلو من مظنة إدمان الأزمة والهرج واللهاث حتى الموت استشرافاً لدور ضحية الفسدة والتاريخ.

وفى وسط هذا الهرج الذى صار كالقدر دهمتنى الكلمات التالية ولم تغادرنى..

ولم يَدُر بخلدى وقتئِذ أن ما سوف تحتاج إليه مصر بعد عشرين سنة من عمر الثورة ليس «عودة الروح» ولكن «عودة الوعى»..

فهل ستسترد مصر الوعى الحر يوماً؟!.

لذلك كان لابد لكتاب «عودة الوعى» من أن يُكتب فى يوم من الأيام.

وهو كتاب لن أكتبه أنا.

وهو كتاب لن يُكتب قبل أن يُفتَح ملف الحقيقة.. كل الحقيقة.. من يوم 23 يوليو 1952 حتى الوقت الحاضر..

كانت تلك كلمات «توفيق الحكيم» وبعض سُطورِه فى كتابه «عودة الوعى» الذى كتبه فى 23 يوليو 1972.. وحق لنا بمثلها أن نسأل ما الذى باتت مصر عليه وما الذى تحتاجه اليوم بعد خمسة وستين سنة..؟!.

«مصر 2017».. «أُمَّةٌ» تائه منها «معنى الوطن».. ومُبَدَّد فيها «جوهر الدولة»، وإن بقيت لها أطلال مؤسسات.

«مصر 2017».. مجتمع فى حالةِ تَرَبُّصٍ دائم..

سُلطَةٌ مُتَرَبِّصَةٌ بِمُواطنيها تَرَاهُم هى مترهلين متخاذلين كَسَالى مُضَيِّعين.. ومُواطن مُتَرَبِّص بمؤسساته لا يكاد يثق فى أيِّها.. يراها تَكيد له.. لا تأبَه بِه.. تَجبِى مِنه ولا ترعاه..

مُواطن- فى عين مؤسسات السلطة- مُدَانٌ حتى تَثبُت براءته.. وخائن حتى تَثبُت وطنيته..

وسُلطَة- فى عين مواطنيها- مُدَانة فاسدة.. كَاذبة حتى يُقبَل صدقها.. إن ثَبُتَ.. وإن صَدَقَت..!.

«القانون» لدى المواطن أداةُ الدولة للنكاية والإذلال.. أكثر منه ملاذاً للعدل أو الخير.. شَرٌّ كُلُّهُ لا خَيَر فيه.. شَرٌّ يلَزَم تَجَنُّبه والفِرار منه ومُحاولة إجهاضه وملاحقته وإبطاله فى كل وقت..

و«القانون» لدى الدولة هو أداتها للقهر وإثبات الهيبة، أكثر منه قاعدة لاستقرار المجتمع وضمانة للتعايش ومرجعاً للثقة- التى هى أصل الأمن والاقتصاد والإبداع والعلم والترقى- وأصلاً للعدل، الذى هو روح الدولة!.

«مصر 2017».. مُجتَمع مُحتَقِن بالقلق.. تكاد تخنقه مخاوفه.. تقتله كل يوم إهانة غياب المنطق..

يكتم أصل شكواه وإن تَكَلم كثيراً عن أعراضها التى لا تكد تَبرَحهُ طوال عُمُره إلا لِمَاماً..

قد يبدو مُجتَمعاً ثَرثَاراً يتحدث كثيراً عن أوجاعه الاقتصادية والاجتماعية.. قد يبدو شكّاءً بكّاءً.. ولكن صمته الذى لا يسمعه أحد هو الصُراخ الأكثر ألماً.

وجعه الحقيقى هو فى الغربة عن معنى وطنه..

فى الغربة عن العدل.. فى الغربة عن الحرية.. فى الغربة عن أن يحيا إنساناً.. ذلك وجعه الذى يحياه ولا يعرف له اسماً.. ولا يملك له وصفاً..

وفى وسط كل ذلك الحال، الذى يصح وصفه بأننا فيما «قبل الدولة» وما «قبل المجتمع».. تبقى «الأمة المصرية» الغائبة الحاضرة هى «المَتن» وما دونها «هوامش» ستزول.. هى مَن استعادت روحها وبحثت عن ذاتها وأنتجت ثورتها الحضارية والفكرية عقب ثورتها السياسية فى عام 1919.. وهى التى استقالت من دورها وأوكلت أمرها لأصحاب السلطة فيها عقب مباركتها حركة جيشها فى عام 1952، فانكفأت وكأنها انتحرت.. وهى التى تبَدَّت بشائر استفاقتها فى 2011 و2013 وإن لم تستعد روحها بعد..!.

ولم يلتفت التاريخ كثيراً لهوامش البهلوانيات السياسية وأفعال الحواة فى دساتير أو فى غيرها.. بقيت كلمة الأمة وقرارها هو المتن.

ما تحتاجه مصر 2017 هو «إحياء الأمة»، التى لا روح لجسد الدولة بغيرها ولا معنى للوطن إلا فيها..

إحياء الأمة هو فى عقول تستلهم الإنسانية والعدل ولا تقبل بغيرهما.. تقتفى دروبهما فى قانون يتسيد ولا يتسيد غيره..

ما تحتاجه مصر بعد قرابة خمسين سنة من تنادى الحكيم على الوعى من أجلها.. أن تكون «الأمة فوق الدولة».. ويكون «العدل فوق القوة»..

 

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>