بَلَدٌ.. وحِكايتُه

وحِكَايَتُه.. هى حِكاية مائةِ سَنَتِه الماضية.. حكاية آنَ لها أن تنتهي بعد أن طالت وباخت وبَهتَت.. ليبدأ عَصرَه المستحَقّ..!

وإن كانت مئوياتُ وَطنِنا تستعصي على الحصر.. لأنه قديم قِدَمَ التاريخ.. فذلك أَوْلَى أن نقرأ حاله في مائةٍ كانت بألف في حياة البشرية فكراً وعلماً وتقدماً.. مائةُ الحقيقة التي أسقطت أوهاماً كثيرة من جنون القوة والتألُّه.. لنرى كيف أنفق وطننا تلك السنين وكيف أَحْيَتْها أمم مثلنا..!

مِصرُ في الرمادية منذ مائةِ سنةٍ أو تزيد.. وهى سنين قَطَعَت فيها أُمَمُ الأرض العاقلة بما تريد.. وسَارت نحو ما تريد وحققت ما تريد..

أُمَمٌ دفعت أرواحاً ودماً لكي يحيا البشر فيها إنساناً حُراً كَريماً.. لا يُسَاوَمُ على العدلِ ولا يَقبلُ بغير اقتِفاء السعادة في مجتمع يَحضُّهُ عليها..!

مصر- في مُجمَلِ مِئويتها الفائتة- تحيا شِبه حياة.. تطفو ولا تُبحِر.. تتنادى على التنوير وتراوغه.. تصرخ بحماس باسم التقدم.. وتتقهقر بذات الحماس.. تُجَاهِد فَتلهَث ولكن لا تُرَاوِح مَواضعَ أقدامها إلا لِماماً.. ما تُحرِزُه تَقدُّماً تَنزِفُه على مَذبح الشخصَنَةِ والاستبداد وضِيق العقول والتَناحر..

مصر، وإن لم تَخْلُ مئويتها الفائتة من إبداعاتٍ لأبنائها فُرَادى بين فنٍ وعلمٍ وثقافةٍ واقتصاد وسياسة.. وإن لم يَحرِمْهَا إرثُها الحضاري من فُرصة صَهرِ اجتهادات الفُرَادي في قالبِ مَشروعِ وطن يستطيع أن يعدَّ دولةًَ ذات ملامح مَدنية.. دولةً قادرة على الترقي والشراكة الحضارية في عالم يتغير، إلا أن ذلك لم يكن.. لأن مصر لم تَستَشرِف حُلمَها ولم تُخلِص لِمشروعها حين احتكر حُلمَها نَفرٌ من أبنائها وذَهَلَ عن حُلمِها بعضٌ آخر.. وقتل حُلمَهَا كلٌّ من خَصخَصَة وشخصَنَة..!

مئوية مصر الفائتة 1917- 2017 فى مُجمَلِها وكأنها تقول إن مِصرَ تكرَهُ ذَاتَها بقدر ما راوغت التنويرَ وخاصَمت العدلَ.. وتلك هى معضلتها..!

مُعضلةُ مِصرَ في المائةِ الفائتة كانت فى مُجتَمَعٍ مُنسَحقِ مُغَيَّب.. مُجتَمَعٍ يتيم بغياب العاقل قبل العائل ومُواطن مُتَعالٍ بِجَهلِه آنِسٌ به..

ومُعضلتُها كانت فى نُخبَةِ تنويرها القادرة وهى ذاتها الغائبة أو المُبَدَّدَة أو المُحَاصَرَة.. تَسُدُّ الأفُقَ دونَها كتائبُ مُرتَزَقة النجومية- ذخيرةُ كُل مُستَبِد- تُفسِدُ على المجتمعِ وعيَه وتُزيغ بَصَرَهُ وتستَنزِفُ مشاعِرَهُ..

ومعضلتها في سلطات متعاقبة تحت تاجٍ أو كابٍ أو عِمَامَة تنافرت كُلُّها في كلِ شىء ولم تأتلف إلا على كَراهية التنوير ومحاربة الوعي وإن تغنَّت به..!

معضلة مصر في المائة الفائتة..

هى في «استثقال العدل واستثقال العقل»..

هى في مُجتَمَعٍ مُتَظَالمٍ يُوطئ لكلِ سُلطة ظالمة..

هى في عَقدٍ اجتماعي فاسد- غير مقدس- جعل تعريف العدل هو إعادة تدوير الظلم بيننا.. وجعل منتهى الحُلم في إبدال المواقع.. بأن يكون جَلَّادُ الأمس هو ضَحِيةَ اليوم وضَحِيةُ الأمس هو جلاد اليوم.. وكأن عين العدلِ في بقاء الظلم فينا مَشاعاً وتَدَاولِهِ.. وليس في القِسطَاسِ وولاية الأمر بأهله..

مُعضلَةُ مِصرَ أنَّا جَعَلنا من «تَدَاولِ الظلمِ ديناً» نعتنقه.. ومن «تَدَاولِ السُّلطةِ بِدعَةً» نكفر بها..!!

أخوة الوطن..

هل مِصرُنَا- وتلك قِصَّتها- قابِلةٌ للاستنهاض..؟!

قادِرَةٌ أن تُنهِي حِكايتَها الفاترة الباهتة..؟! قَادِرَة على أن تَضَعَ ملامِحَ حُلمِها وتَصوغ مَشروعَهَا وتقطعَ بما تُريد وتَتَقدم نحو ما تريد وتُحقق ما تريد؟!

نَعَم قادرةٌ.. بِشرط أن تَعِىَ أن الفِكرَ هو منشأ كل فِعل.. وأنه لا طائلَ من عمل أطرافِ مُنْبَتٍّ عن رؤيةِ عقل..

مِصرُ قادرةٌ.. حين تؤمن بأن «سُلطَةَ الفكرة» هى ما تعطى لـ«فِكرةِ السُّلطَة» قيمتها وجوهَرَها ومعناها.. وبغيرها تكون تَسَلُّطَ باغٍ بغير حكم رشيد..!

مصرُ ليست بدعاً من الأمم.. فكما قَطعت الأمم العاقلة طريقها من التخلف إلى التقدم ومن الجَهَالة إلى التنوير ومن الفقر والتدنى إلى الكفاية والرفاهية بنخبة فِكرٍ وعِلم كانت هى قاعِدة الحُكمِ وسياقه.. سَتقطَعُ مِصرُ طريقَها.

ستُنهِى مصرُ حكايتَها المُضْنِية الفاترة الباهتة على ذات النحو.. بنخبَة هى مُستَودَعُ الحُلم… وبمجتَمَع مُتَطلِعٍ إلى إنسانيته أكثر منه واعيا باستحقاقاتها.. وبسُلطَةٍ راشدة ترقى إلى قيمة الدولة ومعناها..!

عقلُ المُجتَمع وقَلبُه ووجدانُه هو فى نُخبَة فِكرِه وعِلمِه وفَنِّه.. كما أن أطرافَ حَركَته وإنفاذَ بأسِهِ هى مؤسساتُ سياسته واقتصاده وأمنه.. ولن تستقيم حركة أطراف بغير عقل..!

فمَن أراد لمجتمعٍ أن يُفكر بقدميه كمَن يريد للمجتمع أن يسير على عقله.. لا يستقيمان..

ومَن أراد لمجتمعٍ أن تخاصم أطرَافُه عَقلَه ووجدانه بِدعوَى أن الأطراف هى مَن يحمل العَنَت الثقيل.. فهو يُحيلُ الوطنَ جُثة مشاعاً مستباحاً لكل مُستعمر أو مستبد أو فاسد..

عقل المجتمع الغائب لن يلتئم إلا حين يلتئم شتات كل صالح فى «قوى المجتمع الحية» العاقلة الواعية بحقيقة «معضلة مصرنا» ولماذا مازالت تُراوِغُ التنويرَ وتَكرَه العدلَ وتَكذِبُ على نفسها.. «قواه الحية» القادرة على استشراف روح العصر واحتياجات إنسانه.. قوى المجتمع الحية فى مصر أو غيرها هى تلك التى تَعى أن سبب وجودها ومناط قدرتها.. فى أن يُوَسِّدَ المجتمع لِعَقلِه قبل سلطته.. وأن يُوَسّدَ شأن الأمة لِمَن يُبصِرهُ قبل مَن يَملِكه.. وألا يقبَل بغير القانون سيداً وألا ندين بغير العدل ديناً..!

تلك هى «حِكاية بَلدٍ» آن لها أن تنتهى.. والأهم «حكايته»، التى تَوَجَّب لها أن تبدأ..

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>