وابتدا المشوار»!

1

كنت قد نشرت مقالاً على صفحات «المصرى اليوم» بعنوان غامرت به، وهو «مقال ثقيل الدم لكنه مهم»، كان ذلك منذ أسابيع طويلة وأظن أنه حظى بالقراءة، لأن كاتبه وصفه بـ«ثقيل الدم» وفضولاً جرت العيون فوق السطور! وفي الحقيقة لجأت إلى هذه الحيلة لأسباب:

1- إن الناس مهمومة بقضاياها الخاصة المباشرة لحياتها أكثر من الاهتمام بالقضايا العامة، وهذا طبيعي وإنساني، بيد أن إنسان العالم الأول يدرك – بوعي وثقافة – أن «العام» يؤثر على «الخاص».

2- إن اهتمامات الناس قد تغيرت كلياً، صارت إشاعة على مواقع التواصل تخطف انتباهها، وأصبحت مذيعة البودرة «حديث المدينة»، ما عادت قضية جادة تشغلهم، ربما لأنهم شبعوا أحلاماً لم تتحقق، وربما لأن الأذهان صارت لا تحتمل الجدية فيالتناول، ولهذا وصفت مقالي بثقل الدم فخطف الانتباه.

2

صحيح خطفت انتباه القراء، ولكني لم أخطف انتباه مسؤول واحد، وكنت أسعى لأبدأ «حملة صحفية» عن موضوع مهم سقط من اهتمام الدولة ولا أحد يتذكره، لا وزير ولا رئيس وزراء، فهذه قضايا لا تحقق الشعبية للمسؤول.

3

عدت لسطور المقال «ثقيل الظل لكنه مهم» وقرأت السطور التالية أنقلها من أرشيفي الخاص، كتبت يومئذ «في زمن ما كان يسبق اسم الأهرامات. في زمن ما كان يلقب بالذهب الأبيض. في زمن ما كان له أعياد وملكة جمال. في زمن ما كانت علاقة الدولة بالفلاح زارع القطن أفضل ما تكون. في زمن عبدالناصر – بالمناسبة – كانت زراعة القطن بالأمر. كانت هناك دورة زراعية بطلها القطن ثم تسويقه وتصديره وتصنيعه. كان قطننا المصري يتمتع بسمعة عالمية، وخطفت الصين هذا اللقب، وبعدها تأتي الهند. ثم تراجعت سمعة ذهبنا الأبيض بسبب تعثر السياسة القطنية، فهل السر هو تعدد الجهات المسؤولة عن القطن في مصر؟ ولم أكن أعرف أن في الهند «وزارة للنسيج».

وبعد نشر المقال، لم «يهاتفني» مسؤول واحد، وكفرت بالحكومة، لم يتصل بي أكاديمي في معهد بحثي ليضيف معلومة أو يصحح معلومة، وكفرت بمراكز البحث، خصوصاً عندما عرفت أن في مصر معاهد بحثية للقطن ومعامل مركزية للقطن، ومعهد بحوث القطن فيه 10 أقسام بحثية ومحطات لأصناف جديدة، وهيئة تحكيم لاختبارات القطن وتشريعات متعلقة بالقطن في وزارة العدل و6 مجالس متخصصة في زراعة المحاصيل الاستراتيجية منها مجلس القطن.

واكتشفت قبل المقال وبعده أن القطن مات وشيعت جنازته وكان كل خبراء «الفقيد» يملأون ثلاثة سرادقات.

4

يحزنني أن أعلم أن ملف القطن تضخم أوراقاً، وتم عرضه على رؤساء حكومات ومجالس شعب وبرلمانات، وكان الجميع بعد فر الصفحات يقولون «ماشي» ولا تعرف إن كان هذا مسئولاً أم «منادي سيارات»؟!!

5

لا تطالبوا السادة الوزراء بتفعيل خيالهم – إن وجد – فهناك معايير سياسية حاكمة للوزير، ومتى يتكلم معاليه، فربما ليس مطلوباً منه أن يتكلم ومطلوب منه أن «ينفذ» سياسة حكومة.

وهناك حقيقة مهمة، وهى أن الرئيس إذا تحرك، فإن الدولة تتحرك، فالرئيس تنبه إلى «قرصنة الأراضي» فكلف المهندس محلب بهذا الملف. وبعد طول إهمال لذهبنا الأبيض ووصول الحال إلى «فشل طويل التيلة» تنبه الرئيس إلى أهمية محصول القطن فى مصر. ورغم أن الرئيس يشجع «المبادرات» ويكتب في نوتة ما يسمعه في مؤتمرات الشباب من مقترحات، ورغم هذا، فلقد تعودت «الإدارة المصرية» على انتظار تحرك الرئيس. إنها عادة قومية أو قل تقليد مصرى أو قل بروتوكول إداري، فالدولة تتحرك بعد الرئيس، وهكذا أتاح لي عمر تجربتي أن أشهد على مر زمان مصر أن الرئيس يسبق الإدارة.

6

القطن الذي كان الابن الشرعي للدولة صار «ابن حرام». القطن الذي كان محصول مصر الأول عام 94، ما عاد كذلك بعد عام 94، ويتأكد لى كل يوم أن مصر لا تفتقد موارد ولكن لدينا ركود وخمول، وهناك كفاءات لا يمكن إنكارها. هناك «أحمد جويلي» وهناك «سيد مرعي» و«أمين أباظة». وتأكد لي أن فلاح مصر لا يزرع بالسخرة ولا يقتنع بالزراعة مضطراً.

من الواضح أن وزير الزراعة عبدالمنعم البنا، وقد شغل موقع رئيس مجلس البحوث الزراعية، ألمح بذكاء للرئيس – المشغول ذهنه – بعشرات القضايا في الداخل والخارج، بقضية القطن. وطلب البنا ملفاً كاملاً بالأرقام يوضع على مكتب الرئيس للقراءة والتوجيهات. فكلف البنا د. محمد عبدالمجيد، أحد عشاق القطن في بلدي، ورئيس مجلس القطن، وممثل مصر في اتحاد القطن الأفريقي مستشار الوزير.. لإعداد ورقة بحث عن الواقع والمأمول للقطن المصري ليهب من كبوته.. وابتدا المشوار.

7

ومثلما تحركت الدولة، تحركت الصحافة وظهرت المانشيتات: 2300 جنيه سعر قنطار القطن ووزير الزراعة يعلن «ملتزمون بالأسعار الجديدة» وخطة لاستعادة أمجاد الذهب الأبيض واستنباط أصناف جديدة من القطن المصري ومناقصة الغزل والنسيج في سبتمبر وفض مظاريف تطوير المحالج في 8 أغسطس».

بين يوم وليلة تحركت كل أجنحة الدولة بعد اهتمام الرئيس بقضية القطن، حيث صارت على أجندته. وأصبح الموضوع الذي وصفته في مقال سابق «ثقيل الظل لكنه مهم» صار ظريفاً طريفاً مقبولاً مهضوماً خفيفاً على القلب والمعدة وبداية الرئيس إشارة بدء للكل.

8

كان وزير الثقافة الفرنسي في زمن ديجول «أندريه مالرو» يقول: إن أي وزير في حكومته قادر على أن يكون مبادراً فاعلاً أو يصبح وزيراً على رقعة الشطرنج!

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>