الصورة والبرواز المطلى فضة!

حين أجلس لأكتب، ليس لى طقوس خاصة سوى زجاجة ماء ثلث مثلجة وصوت فيروز يعطر المكان، وأكتب على ورق أبيض وأحياناً أتخيله كائناً بشرياً يتفرسنى بعينيه وينتظر ماذا سيمطر القلم من حروف تتعانق لتصنع كلمات. صحيح أن الأقلام واحدة ولكن العقول مختلفة، فكل صاحب قلم له سكة وطريقة. وقد تعود قارئ سطورى على «مداخل» ليس من بينها المقدمات التقليدية التى تسد النفس!. أنا – مثلاً – أصدق عبدالحليم عندما يغنى وأصدق فاتن حمامة حين تمثل وأصدق يوسف إدريس عندما يكتب. أى أن الصدق هو أرفع رتبة على كتف مطرب أو كاتب أو ممثلة. ولكن هل يحظى المسؤول فى بلدى بهذه الرتبة؟ هل نثق فيما يقول؟ هل نصدقه؟! ذلك مربط الفرس أو حجر الزاوية فى حياتنا السياسية وقضايانا الاجتماعية. بناء جسور الثقة بيننا – نحن أهل مصر – وأولى الأمر أصحاب القرار. ورغم أن صديقى الحصيف – وقد أحدثكم عنه فى وقت آخر- يرى أن أصحاب القرار لا يقرأون ولا يلتفتون لهذه الديباجات، فأنا أعتقد أن الهدف من الكتابة هو تفتيح مسام الوجدان وبث الوعى وتلقين المسؤولين هذه الدروس الشعبية، فالعبقرية ليست حكراً على أصحاب القرار ولكن الكتل السكانية صانعة الثورات قادرة على تصويب قرارات صدرت بالفهم والمنطق لا بالعضلات.

(٢)

الشعب المصرى تربى على أن الحكومة بالنسبة له هى «الأب والأم وأنور وجدى»، والشعب المصرى تربى على «المنحة يا ريس»، الشعب المصرى تربى على القرار الفوقى دون رأيه، الشعب المصرى تربى على التمسك بالحقوق دون الإشارة للواجبات. الشعب المصرى يستورد ولا يصدر، الشعب المصرى تربى على الشكوى والنواح وكتابة عرائض الشكوى، الشعب المصرى تربى على زيارة الأضرحة والنذور، الشعب المصرى لم يعرف كثيراً الصدمة أو الحقيقة الصادمة، الشعب المصرى ما زال يعتبر نائبه فى البرلمان (نائب خدمات فقط)،الشعب المصرى يملك حساً سياسياً بالوعى وليس ثقافة شباب كغيره من الأوطان المتقدمة. الشعب المصرى المتدين لم «يتربى» علمياً وعلاقته بالعلم ضئيلة. الشعب المصرى لم يتعلم لغة الأرقام إنها تسبب له حالة «خضة» أكثر منها حالة «فهم»!.

وبناءً عليه، فإن الشعب المصرى لابد أن يفهم «مغزى الرقم» ولو كان صادماً وربما كارثياً كأعداد الطلاق فى مصر وأعداد المهاجرين هجرة غير شرعية، إن الشعوب الطموحة تتغذى على الحقائق والأرقام ويا ويل شعب يعيش على الأوهام!.

(٣)

فى أمريكا وأوروبا يقول الطبيب لمريضه «أمامك 7 أسابيع على النهاية» وفى مصر يقول الطبيب «أنت ميت فل وعشرة، شوية بواسير»، وربما يسرى هذا الأسلوب على حياتنا ونحيا فى أوهام من صنعنا وندفع ثمناً باهظاً لأننا لا نجيد قراءة الواقع ونصدق الطبيب والوزير.

الطبيب الأمريكى صادم لكنه من مدرسة «المواجهة بالحقيقة» والطبيب المصرى يهون الأمر لأنه من مدرسة «التهوين والتجميل»، وفى الأمم والمجتمعات الدولية الصورة أهم من البرواز. نحن لم نتلق بعد ثقافة المواجهة، حكاماً وشعوباً، ولأن السيسى رجل من القوات المسلحة مدرسة «المواجهة والاستعداد للقتال» أدخلنا «منطقة المواجهة» بلا ثقافة واقعية ومن هنا جاءت «الصدمة» حين هبطت القرارات الاقتصادية فوق رؤوسنا. مدرسة الواقعية فى التعامل مع الشعوب لا تعرف المجاملات أو «الحكاية زى شكة الدبوس».

ولهذا فالصورة بأبعادها أهم من البرواز مهما كان مذهباً، الكثير من أزماتنا البرواز فيه مطلى بالفضة يسبقه تستيف أوراق، والعمارات الآيلة للسقوط خير مثال، وتستيف الأوراق فى الإدارات الهندسية للأحياء، يزف بعد قليل السكان إلى الموت، نحن فى كثير من أمور حياتنا تحكمنا الثقافة الورقية وقد تستعين بالشؤون القانونية المزروعة فى الأجهزة والدواوين، تعرف الثغرات وتسدها بديباجات ترتدى ثوب الباطل فيزهو الحق فى خيلاء.

(٤)

أحياناً أسمع عبارة من وزير ما يقول «ما تسودش الصورة». فهل دورى ككاتب أو محاور على الشاشة «تجميل» الصورة مهما كان الواقع؟. الهجرة غير الشرعية قضية نحاول علاجها، هناك رقم رسمى لعدد الضحايا ورقم «فعلى»!. مرضى الإيدز هناك رقم رسمى وهناك رقم «فعلى»!. نسبة الطلاق فى مصر، هناك رقم رسمى ولكن هناك نسبة واقعية فعلية!. الأرقام المزورة تبعث على التفاؤل الكاذب وهذا من أخطر أمراض بلد يتطلع للنهضة. يبدو لى أن «ثقافة الأرقام» لا تزال بعيدة عن اهتماماتنا. وحين تلجأ الصحف أو بعض الشاشات إلى «زرع» هذه الثقافة فى وجدان المصريين تفشل لأنها تلجأ إلى أسهل الحلول، رسوم بيانية بلا تبسيط أو تفسير، ذات مرة حضرت مع مجموعة من الزملاء اجتماعاً لوزير مالية فى زمن سابق وكان يشرح لنا «منهجه» فى الوزارة ولم أفهم شيئاً، فقلت له: انت بتكلم مكتبك يا معالى الوزير؟!، مطلوب منك التبسيط لنبسط للناس، افعل يا صاحب المعالى مثلما كان يفعل يوسف بطرس!!، فغضب الوزير وقال: أنا من تلامذة د. يوسف!. فتابعت حديثى: اضرب أمثلة لتقريب الصورة، من المهم «تسويق» أفكارك يا أفندم، المهم أنى ما عدت أدعى لهذه الاجتماعات! وقلت يومها: فى مصر أزمة اختيار كفاءات للمناصب وإذا جاءت كفاءة، فهى ثقافة نظرية وأحياناً الوزير يجرب فينا!.

نعم، السيسى لا يحتاج لحزب ولا لظهير سياسى ولكنه يحتاج لحكومة على نفس الموجة وبنفس الذبذبات.. مزروعة فى أرض مصر، لديها قرون استشعار قوية بالناس.

(٥)

ماذا أردت أن أقول من خلال سطورى؟

أولاً: تعميق ثقافة الاعتراف بالتقصير لأن «التمادى» فيه هو السقوط بعينه.

ثانياً: نشر ثقافة المواجهة، فالصدمة المؤقتة أفضل من التفاؤل الكاذب.

ثالثاً: التسويق السياسى لخلق جسور ثقة بين الحاكم والمحكوم.

رابعاً: التعود على لغة الأرقام لأن الرقم لا يكذب: فالتطور قراءة أمينة للأرقام.

خامساً: لنكن متأكدين أن الصورة أهم من البرواز ولو كان مطلياً بالفضة.

سادساً: فى «زمن حرب» مواجهة الواقع أكثر مطلباً من التفاؤل الكاذب.

سابعاً: تقييم المراحل – كالقوات المسلحة – يسد ثغرات تستيف الأوراق.

(6)

لقرائى الأعزاء: ناقشونى فيما أطرحه لنصنع حالة «حراك» ذهنى وحتى لا أشعر أنى أؤذن فى مالطة!!.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>