وطن على سطح صفيح ساخن

ما يبدو على السطح هو أن قضية «تيران وصنافير» قد تم حسمها بعد أن وافق البرلمان على اتفاقية ترسيم الحدود المائية بين مصر والسعودية يوم 14 يونيو 2017، وبعد أن صدق الرئيس عليها بعد ذلك بعشرة أيام لتصبح سارية المفعول. تحت السطح، لا يبدو أن الأمر بهذه البساطة، وأن هناك انشقاقا عميقا فى الشارع المصرى، كما كشفت عنه نتائج المسح بالعينة الصادر عن مركز «بصيرة»، مشيرا إلى أن 11% فقط من المصريين يرون أن الجزيرتين سعوديتان، فى حين أن 47% منهم يرون أنهما مصريتان. الفجوة بين ما حدث وما اعتملت به بعض الصدور تركت الوطن على سطح صفيح ساخن، وهو توصيف مأخوذ، مع بعض التصرف، عن مسرحية «تينيسى ويليامز» المعنونة «قطة على سطح صفيح ساخن». ورغم سلبية هذه الحالة، ما حدث فى الفترة بين التوقيع على الاتفاقية والتصديق عليها من تفاعل مجتمعى جاد يعطى مؤشرا قويا على حيوية المجتمع، وهو ما ينبئ بمستقبل أفضل لهذا البلد.

فى وصف ما حدث، لم يكن تمرير الاتفاقية بالسهولة التى تصورتها الحكومة، ولا كان باستحالة الحدوث كما تصورته المعارضة. كان الشد والجذب منذ لحظة إعلان الاتفاقية حاداً وملتهباً، وصل إلى حد المزايدة على الوطنية والاتهام بالخيانة. لم يكن النزاع مقصورا على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ولكن كان الجمهور طرفا فاعلا ومتفاعلا مع الجميع. تخندق كل فريق فى مربعه الصفرى حتى آخر المطاف. من يساندون الاتفاقية أسهبوا فى تعديد منافعها الاقتصادية وإرساء مبدأ إرجاع الحقوق لأصحابها. من وقفوا ضد الاتفاقية كان اعتراضهم الرئيسى أنها تنازل من الدولة المصرية عن جزء من أراضيها، وهو ما لا يجيزه الدستور. فى وطيس المعركة، استخدم كل طرف من الوثائق التاريخية والجغرافية والجيولوجية ما يعود لأزمان قريبة وبعيدة، ولم يتوان أيهما عن تأجيج المشاعر لصالحه. ورغم انسدال الستار على الفصل الأخير، أو قبل الأخير، لأن الموضوع لايزال معروضا على المحكمة الدستورية، ليس هناك شك فى أن الجرح لم يلتئم بعد.

فى تفسير تتابع الأحداث، تفاوتت الآراء بين من يرى أن الحكومة كانت على حق فى كل ما اتخذته من إجراءات، وإن جانبها التوفيق فى إدارة الملف والتسويق لموقفها أمام الرأى العام. على الجانب الآخر، هناك من اعتبر أن القصة كلها لم تكن إلا مؤامرة خارجية لإعادة ترتيب المنطقة لصالح إسرائيل، أو أنها جزء من صفقة مالية لإنقاذ الاقتصاد المصرى من عثرته. ودون الدخول فى هذا الجدل المنقضى، ما يشغلنى هو الطريقة التى تعاملنا بها كمجتمع لحل الخلاف، خاصة أن الاختلاف فى الرؤى هو طبيعة الأشياء، وأنه لا شك قابل للتكرار. فى هذا الإطار، تثير التجربة عدداً من الأسئلة التى لا مفر من مواجهتها: هل انطوت الممارسات فى قضية ترسيم الحدود على تغول بعض السلطات على البعض الآخر؟ هل تعاملت الأغلبية البرلمانية مع الأقلية، والعكس صحيح، بشكل يضمن لكل طرف حقه فى اتخاذ المواقف التى يراها صحيحة؟ وأخيرا، هل هذه هى طبيعة المرحلة الانتقالية التى نمر بها، أم أن هذا قدرنا، لا قدر الله؟.

على سبيل المقارنة، كنت فى زيارة لأمريكا بين 3 و14 يونيو الماضى، تابعت خلالها عن قرب قضية شغلت الرأى العام هناك. هذه القضية متعلقة بما إذا كان الروس قد تدخلوا فى الانتخابات الأمريكية لصالح الرئيس الأمريكى «ترامب»، أم لا. للبت فيها، اتفق عدد كاف من الجمهوريين والديمقراطيين على تشكيل لجنة تقصى حقائق. فى نفس الوقت، ولنفس السبب، تم تعيين مستشار خاص من قبل وزارة العدل. توالت الأحداث بعد ذلك سريعاً، اضطر فيها «ترامب» إلى التضحية بمستشاره للأمن القومى، الجنرال «فلين»، وفى خطوة تالية أنهى خدمة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية (إف. ب. آى) «جيمس كومى». بعد ذلك، جاءت شهادة «كومى» أمام لجنة تقصى الحقائق، وكان فيها ما يوحى بأن الرئيس قد طلب منه التساهل فى ملاحقة «فلين». هنا قامت الدنيا ولم تقعد، بما فى ذلك ماكينة الإعلام النشطة، متهمة الرئيس بشبهة اعتراض العدالة. لم تتم كتابة الفصل الأخير فى هذه القضية، لكن أحداثها تؤكد أن أمريكا، رغم سوءاتها الكثيرة فيما يتعلق بسياساتها الخارجية، دولة تملك من المؤسسات ما يسمح لها بحل مشاكلها الداخلية بشكل سلمى.

عودة لمصر، أعتقد أن الموضوع الرئيسى الذى يجب أن يشغلنا من الآن فصاعداً ليس قضية «تيران وصنافير»، على أهميتها، ولكن كيف نحل خلافاتنا، فى مجتمع متنوع الآراء، بشكل موضوعى وسلمى. تجربة ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية لا تعكس أننا وصلنا إلى مرحلة من النضج المؤسسى الذى يحقق ذلك. بشكل ما، تركتنا هذه التجربة على سطح صفيح ساخن. ما يدعو للأمل، أن المجتمع، بكل مكوناته، أظهر قدراً عالياً من الحيوية والقدرة على الاشتباك الفعال، مما ينبئ بمستقبل أفضل لهذا البلد.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>