باب الله الأعظم

(١) سبحانه وتعالى هو المتفرد بصفات الجمال والجلال والكمال.. وفى تفسير قوله جل وعلا: «تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شىء قدير» (الملك: ١)، يقول ابن عباس: بيده الملك، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويحيى ويميت، ويغنى ويفقر، ويعطى ويمنع (القرطبى).. هو الذى وهبنا الحياة، وسخر لنا كل ما فى هذا الكون، وأسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة ما يعجز الإنسان عن حصره «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» (النحل: ١٨).. وعندما يقبل الإنسان بكل نفسه على الله، يرقى فى مدارج علوية، وأجواء روحية ملائكية؛ لا يشعر معها بوحشة ولا غربة، فهو فى أنس دائم مع الله.. قال بعض الصوفية: «الاستئناس بالناس علامة الإفلاس»، وذلك حينما يكون الاستئناس بهم بديلا عن الاستئناس به سبحانه.. وفى ظل هذا الأنس، يكون الإنسان مستغرقا بقلبه وروحه ووجدانه فى أنوار العظمة، وجلال الملك والملكوت؛ لا يصيبه قلق، ولا يعتريه حزن، ولا يستبد به ألم أو وجع.. لا يشعر بوحشة ولا غربة، رغم ندرة الأصحاب.. يقول الإمام على: «لا تستوحشوا الطريق لقلة سالكيه».. هو فى حال من التوازن النفسى والعصبى والوجدانى.. لا يخشى ما تأتى به الأيام أو تقلبات الزمان من مصائب، مهما كانت شدتها وحدتها، فاللجوء إلى مولاه يمنحه الصبر الجميل، الذى لا جزع معه.. الموت لا يروعه لأنه يوقن أنه نهاية كل حى «كل نفس ذائقة الموت» (آل عمران: ١٨٥)، بل هو يستعجل لقاء الله، فقد جاء فى الحديث: «من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه».. الدنيا بالنسبة له دار ممر، مجرد لحظة عابرة فى عمر الزمان.. ينظر إلى التاريخ البعيد والقريب، فيجد ملوك ورؤساء دول، وزعماء أمم، وقادة شعوب، كانوا يسكنون القصور، ويملاؤن الدنيا صخبا وضجيجا.. هؤلاء وأولئك رحلوا، طواهم الثرى، ولم يتركوا وراءهم شيئا، اللهم إلا إذا كانت «صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

(٢) المحب لله تعالى، لا يطيق فراقه.. هو على تواصل دائم معه، يدفعه ذلك إلى الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن وتدبر آياته وما تشير إليه من ضرورة النظر إلى الكون وما فيه من شموس وكواكب وأقمار، أبدعها الخالق جل وعلا.. وفى خلواته، تفيض عيناه، رغبا ورهبا، فمن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه».. وتستوجب المحبة أن يكون راضيا عن الله، فان علامة رضا الله تعالى على العبد، هى رضا العبد عن ربه.. يقول ابن القيم (رحمه الله): «فمن رضى عن ربه رضى الله عنه؛ بل رضا العبد عن الله من نتاج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده: رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه؛ ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين (مدارج السالكين).. وقد وردت آيات كثيرة فيما يتعلق بالرضا، وهى مرتبطة بالفوز والفلاح فى الدنيا والآخرة، مثل قوله تعالى: «رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم» (المائدة: ١١٩)، وقوله: «رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله» (المجادلة: ٢٢)، وقوله: «رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه» (البينة: ٨).

(٣) ولأن المحب يجد السعادة، كل السعادة، فى طاعة محبوبه، فكيف إذا كان المحبوب هو الله جل وعلا؟ من هنا كان من لوازم المحبة الإقبال بهمة على تنفيذ أوامره سبحانه، والانتهاء عما نهى.. ومن أجل وأعظم ما أمر الله تعالى به العباد هو إقامة العدل والانتصار للمظلومين، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.. لذا، فهو سبحانه «يحب المقسطين» (الممتحنة: ٨)، و«يامر بالعدل» (النحل: ٩٠)، و«إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» (النساء: ٥٨). وإن كانت هناك عداوة بينكم وبين آخرين، واقتضى الأمر أن تكونوا حكما فى نزاع بينكم وبينهم، فكونوا منصفين «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة: ٨)، أو كانت هناك صلة قربى، فلا يجب أن يكون لها تاثير على الحكم «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى» (الأنعام: ١٥٢)، وفى حالة ما إذا كان هناك تعامل ما (اقتصادى أو اجتماعى)، بينكم وبين آخرين، فلابد أن توثقوا هذا التعامل عن طريق شخص أو جهة معروف عنها الاتصاف بالعدل «وليكتب بينكم كاتب بالعدل» (البقرة: ٢٨٢).. (وللحديث بقية إن شاء الله).

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>