نعمة الاستبداد..!!

فى جلسةِ جمعتنى مع مجموعة من الأصدقاء من المشرق والمغرب العربى.. ممن تَبَوأ بَعضُهم مواقعَ قيادية عُليا فى بلدانهم قبل وبعد ثورات الربيع العربى فوق كونهم من رجال الثقافة والفكر.. وقبل كل شىء هم من حَمَلَة الهَم العام.

و فى مَعرِض قِراءة ما يجرى فى – وعلى – عالمنا العربى.. تَطَرَّق مُعظَمهم إلى أن الهزيمة النفسية والإقرار بالانكسار هو ما يُرَاد بالشعوب العربية.. لكى تصل إلى نتيجة مؤداها أن الإنسان العربى لا يستقيم فى إدارة حُكمِه إلا الديكتاتورية والشمولية والاستبداد.. بأن يحيا دون البشر مُحتَقَراً يَلهَجُ بِحَمدِ من يَستَبد به..!.

وأن تلك النتيجة العملية هى ما تتردد فى أصداء العالم العربى زوراً بأن تتمنى الشعوب أياماً من المذلة تحت نعال جلاديها، على أن يحيوا تلك الفوضى تحت حوافر الدواعش..

لِتُصبح الصيغة أن قَدَر الشعوب العربية هو الاختيار بين الحياة فى «حَظيِرة مَذَلَة» أو التيه فى «قُفُورِ الموت».. ولا اختيارات أخرى..!.

يقال ذلك بلسان الحال والمقال كنتيجة كاذبة وبائسة بأن الشعوب العربية هى بشر دون البشر.. لا تعى الحُرية ولا تُطيقها..!.

بالمناسبة هذا ليس كلاماً جديداً.. فعلى لسان «اللورد كرومر» المندوب السامى البريطانى ورمز الاحتلال فى مصر.. وكما أورده «إدوارد سعيد».. المفكر العربى الكبير.. فى كتابه «الاستشراق».. يرى اللورد كرومر أن الغرب قد فُطِرَ على النظام والحرية وتَداوِل حُكمِه بين عُقلائه ومؤهَليِه.. أما الشرق (والأولى بالاحتلال بالضرورة) فقد فُطِرَ على الهمجية والقهر وعبادة السلطان الفرد.. وعليه فهو غير مؤهل لكى يَحكُم نفسه.. والواجب الأخلاقى يُحَتِّم على الغرب احتلاله من أجل خير أبنائه..!.

و هو ذات المنطق الذى حَمَل «السير جلادستون»، رئيس الوزراء البريطانى الذى سَوَّغَ لاحتلال مصر، أن يقول – وكما ورد فى كتاب «الأطلال المصرية» للكاتب «تيودور رتشتين» والصادر عام ١٩١٠ – «إن واجباً يقضى به الشرف» هو الذى حَمَلَهُ على الذهاب إلى مصر.. وأن يُقَال بعدها بحوالى ثمانية وعشرين سنة «أننا قد أقمنا فى مصر زمناً طويلاً نعمل على استعادة النظام وإدارة شؤون البلاد لخير المصريين! فلم نفلح فى حملهم على الرضا بمقامنا أو إسداء حق الصنيعة لنا!! فمن «العار» أن نتخلى عن واجبنا ونتركهم و«الفوضى» التى ستعقب عملنا هذا لا محالة..!!».

وفى ذات الكتاب يقول السير «إدوارد جراى»، عضو مجلس العموم البريطانى فى أواخر القرن التاسع عشر «أنه وإن تكفر مصر الحديثة بنعمة إنجلترا» فليس ذلك لِغَلطةٍ ارتكبتها إنجلترا، ولكن لِقُصُور ذاكرة الجيل المصرى الحديث، ولِمَا عُرِفَ عن الشعوب من كفر النعمة ونكران الجميل»..!!

وعلامات التعجب كلها من عندى..!.

نعم استخدم أحدُ ساسةِ الاحتلال الذى دام سبعين سنة تعبير«نِعمَة إنجلترا».. «نعمة المحتل»..!.

ويرى أن الشعوب جُبِلَت على كُفرِ النعمة ولهذا جحدوا فى المحتل استبداده بهم واستنزافه لثرواتهم وسرقته لمقدراتهم- وقبل كل ذلك وبعده – قَهرُه لهم.. ويرى زميله قبله أنه ورغم ضيق الشعوب بمقام المحتل إلا أن واجب المحتل أن يبقى لدرء الفوضى وإدارة شؤون البلاد لخير أبنائها..!.

وعلى ذات القياس.. فالشعوب العربية الجاحدة قد كفرت بنعمة «القذافى» ونعمة «مبارك» ونعمة «الأسد» ونعمة «صدام».. بل وكفرت بنعمة «الاستبداد» ونعمة «الفساد» فى المطلق..!.

فعلاً أى جحود هذا..؟!!

قد يدعم واقع الاحتراب والاستنزاف والشقاق فى حالنا العربى هذا الهذيان والهراء.. فى حين يُصِر ذلك المنطق المُعوَجّ على أن يَعمَى عن أصل ما أوصلنا إلى الاحتراب والاستنزاف والشقاق.. وهو الظُلم المؤذن بخراب العمران.. وتوسيد الأمر إلى غير أهله.. احتكار السلطة والمعارضة.. تأميم الصمت والقلق.. وقبل ذلك كله مسخ الشعوب بالقهر والفوضى لتصبح كالدَواب على غير هدى لا ترقب إلا سياط الراعى ولا تنتظر إلا بعض من كلأ تتقاتل عليه..!.

ورغم وقاحة المنطق وغِلظَةِ من يَحمونه.. فهو متهافت ساقط.. فأعتقد أن الشعوب العربية كبقية شعوب العالم تؤجرُ خيراً إن كفرت بـ«نعمة» الاحتلال أو كفرت بـ«نعمة» الاستبداد.. ولكن يبقى ماذا بعد أن كفرت شعوبنا بتلك الرذائل.. هذا وإن كفرت بها حقاً.. فبأى فضائل آمنت..؟!.

ونكمل غداً الحلقة الثانية

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>