محاربة الفساد ومطاردة الأشباح

كل دول العالم، بما فى ذلك مصر، أعلنت الحرب على الفساد، وأغلظت الأيمان بأنها صادقة فى ذلك. ورغم تكرار إعلان هذه النوايا الحسنة، إلا أن الفساد مازال يرتع فى أنحاء المعمورة، وإن كان بدرجات متفاوتة. السؤال الجوهرى هو: لماذا هذا الفشل الذريع؟، هل لأننا لا نعرف الحجم الحقيقى للفساد، تماما كما أننا لا نستطيع الإمساك بتلابيب الأشباح؟، أم أن الإخفاق فى محاربة الفساد يرجع إلى أننا لا نعرف أسبابه الحقيقية، وبالتالى معركتنا معه مثل معركة «دون كيخوت» مع طواحين الهواء؟، أم أن هناك فجوة متعمدة بين الإعلان عن مكافحة الفساد والرغبة الحقيقية فى مواجهته، لغرض فى نفس يعقوب؟.. هذه أسئلة مشروعة، وفى تقديرى أن الإجابة عنها هى البداية الحقيقية للحد من هذه الآفة البغيضة.

صعوبة تحديد حجم الفساد تأتى من أن المشاركين فيه يعملون جاهدين على إخفائه عن أجهزة الإحصاء والرقابة والأمن. لكن ذلك لم يمنع بعض المؤسسات الدولية من محاولة قياسه. ومن أكثر هذه المقاييس دقة ومصداقية مؤشر الفساد، الذى تنشره مؤسسة «الشفافية العالمية» عن معظم بلدان العالم، بما فى ذلك مصر، اعتمادا على آراء المواطنين والخبراء. بناء على هذا المؤشر، فإن حجم الفساد فى مصر يدعو للقلق، حيث إننا لم نحصل فى السنوات العشر الأخيرة على أكثر من 37 فى المائة (عام 2014)، مقارنة بـ100 فى المائة فى الدول التى ليس بها فساد.

إذا كانت المشكلة لدينا بهذا الحجم، فماذا نحن فاعلون؟.. قبل الإجابة عن هذا السؤال، من المفيد أولاً البحث عن أسبابه، خاصة أنه ليس هناك اتفاق على ذلك. فى تصورى أن الفساد، فى مصر كما فى غيرها من الدول، له 3 أسباب رئيسية، بالإضافة إلى الجانب الأخلاقى بالطبع. السبب الأول هو انتشار ثقافة «البقشيش» وأحيانا «الرشوة»، نتيجة تدنى الأجور فى الوظائف الحكومية وسهولة الإفلات من العقاب. السبب الثانى هو غياب- أو عدم وضوح- الأسس التى تضمن حق المواطن، كدافع للضرائب، فى الحصول على الخدمات العامة. أما السبب الثالث فهو ظاهرة تطويع السياسات والقوانين والإجراءات لخدمة مجموعات مصالح بعينها. هذه الظاهرة الأخيرة تستشرى عندما يختلط رأس المال بالسلطة، كما حدث فى مصر قبل يناير 2011، وكما حدث فى تونس أثناء حكم «بن على». ما يجعل هذا السبب أخطر أسباب الفساد هو أنه مُقنَّن، وبالتالى ليس للأجهزة الرقابية دور فى الحد منه.

عودة للسؤال الخاص بتقييم جهودنا فى محاربة الفساد، فى اعتقادى أن مصر جادة فى مسعاها. الدليل على ذلك، بالإضافة إلى الخطاب الإعلامى المناهض للفساد، أننا نقرأ بشكل يومى عن نجاحات «الرقابة الإدارية» فى الكشف عن مرتشين على كل المستويات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن النظر إلى قانون الخدمة المدنية، الذى صدر حديثا، على أنه محاولة لترشيد سلوك الموظف العام. وأخيرا، بناء على توجيهات الرئيس، هناك انتفاضة لمَن تعدوا على أراضى الدولة دون وجه حق. ومع ذلك، لا أعتقد أن هذه الجهود كافية لنقل مصر إلى مصافّ الدول التى يقل فيها الفساد بدرجة عالية، مثل فنلندا والسويد.

هذه النظرة ليست من باب التشاؤم، ولكنها مبنية على أمرين: الأمر الأول هو ندرة ما نراه من مبادرات مؤسسية جادة نحو تمكين المواطن من الحصول على الخدمات العامة دون متاعب. هذه المبادرات تتطلب إرساء قواعد واضحة ومعلنة عن الخطوات المطلوب اتباعها للحصول على الخدمة، والوقت المتوقع لإنهائها، وسبل الشكاوى إذا لم يتم ذلك، مع الميكنة لتقليل أثر العامل الشخصى. هذا ليس كلاما أكاديميا، فقد تحقق بدرجة معقولة من النجاح فى الحصول على جواز سفر جديد أو استخراج شهادة ميلاد. المشكلة أن مثل هذه النجاحات تظل من قبيل الاستثناء وليس القاعدة.

الأمر الثانى هو ظاهرة تطويع القوانين والسياسات لمصالح مجموعات بعينها. هذه المشكلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمستوى النضج السياسى الذى يمر به مجتمعنا، وهو مشوار مازلنا فى بدايته، ففى ظل غياب أحزاب سياسية قوية ذات توجهات واضحة، ومعارضة فعالة فى البرلمان، وإعلام لا تسيطر عليه مصالح خاصة، هناك تخوف من استمرار تفصيل بعض السياسات والقوانين لخدمة مصالح ضيقة. ما يزيد الطين بلة أن بعض أصحاب هذه المصالح الضيقة يتمتعون الآن بمراكز سياسية تسمح لهم بالتأثير فى صنع السياسات وإصدار القوانين. تغيير هذه الأوضاع يقع على عاتقنا جميعا، حكاما ومحكومين، وإن كان العبء الأكبر يقع على الدولة.

خلاصة القول إذاً أن الفساد فى مصر أكبر وأخطر من أن نتغاضى عنه، وأن آثاره السلبية على جهود التنمية لا شك فيها. إلا أن مواجهة الفساد تتطلب أكثر من خطاب إعلامى مناهض للفساد، وأكثر من تفعيل دور الأجهزة الرقابية، وأكثر من قانون للخدمة المدنية. اقتلاع الفساد من جذوره يتطلب، بالإضافة إلى ذلك، نقلة نوعية فى قواعد وأساليب تقديم الخدمات العامة، والسعى بهمة كبيرة نحو إثراء الحياة السياسية والمشاركة الفعالة للجميع.

بقلم : أحمد جلال

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>