تسعيرة “الغاز الطبيعي” تهدد بإغلاق مصانع .. تحرير العملة أدى إلى زيادته 100% والمصنعون : 90% من إنتاجه محليا ولا يوجد داعي لحسابنا بالدولار

بدأت حدة التخوفات داخل القطاع الصناعي تتصاعد، -وبالأخص لدى أصحاب الصناعات كثيفة والمتوسطة الاستهلاك للطاقة-، خوفًا من تجدد أزمة نقص الغاز خلال الصيف، بعد تراجع معدل نمو إنتاج الغاز الطبيعي بحوالي 2.5% خلال الربع الأول من العام المالي 16/2017، وفي المقابل ارتفاع استهلاك الدولة من الغاز بنحو 11.7% خلال نفس الفترة، وزاد من أزمات القطاع المصانع، ارتفاع أسعار الغاز الموجه إلى المصانع –خاصة بعد تعويم الجنيه- وحسابه بالدولار بدلا من الجنيه، وهو ما دفع الشركة القابضة “إيجاس” لإرسال إنذار للمصانع لسداد المديونيات المستحقة عليها سابقًا، نظير سحوبات الغاز.

ولعل استهلاكات الغاز الضخمة بكبريات مصانع الحديد، التي تصل إلى 300 متر مكعب غاز للطن، وحوالي 40 – 50 متر مكعب للطن بالمصانع الصغيرة، زادت من حجم الطلب على الغاز لمواصلة العملية الإنتاجية، لكن في ظل ارتفاع أسعار الغاز الموجه للمصانع وتراكم المديونيات على بعضها أثر سلبيًا على قدرتها نحو تحقيق معدلات الإنتاج والنمو المستهدفة بالسوق، لذا قد يكون من الممكن مستقبلًا أن يتم الاعتماد على أنواع أخرى من الوقود كبديل للغاز الطبيعي لعدم الرضوخ لإشكالية أسعار الغاز وتراجع كمياته في بعض الأحيان.

وأجمع عدد من قيادات قطاعي البترول والصناعة، أن أزمة الغاز مازالت تؤرق المصنعين، بسبب تراكم المديونيات على عدد كبير من المصانع نتيجة سحوبات الغاز، إضافة إلى أن إنتاج الغاز المحلي لا يكفي لتغطية كامل استهلاك المصانع كثيفة الاستهلاك -التي لم تعمل بكامل طاقتها لفترات طويلة الفترة الماضية-، وهو ما أدى إلى الاتجاه للاستراد من الخارج بالعملة الصعبة وزيادة سعر الغاز نتيجة تأثيرت تعويم الجنيه، وبالتالي ارتفاع أسعار “الحديد والأسمنت، والأسمدة”، وقد حذر البعض من تحول الطاقة إلى قيداً على التنمية الصناعية والاقتصادية ومعوقاً للاستثمار في العديد من الصناعات كثيفة الاستهلاك.

وربما محاولات البترول لحل أزمة نقص كميات الغاز بالمصانع اتي عانى منها القطاع خلال الفترة الماضية، دفعته لاستيراد قرابة المليار قدم مكعب غاز يوميًا، لسد الفجوة الحالية بين الإنتاج والاستهلاك، الأمر الذي يشكل عبئًا على الشركة القابضة للغازات في الاستمرار في نهج الاستيراد لقطاعات الدولة في ظل الأسعار المرتفعة بعد تعويم الجنيه.

25% خسائر لمصانع الحديد

في البداية يؤكد طارق الجيوشي، عضو غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، ورئيس مجموعة الجيوشي للصلب، أن مشكلة قطاع الحديد حاليًا؛ تتمثل في تسعيرة الغاز الذي تحصل عليه المصانع، وليس في انتظام عملية التوريد، حيث يتم محاسبة مصانع الحديد على سعر 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، والتي لا تكفي إلا 5 دقائق فقط في تشغيل الأفران، بما يعني حاجة المصانع لكميات ضخمة من الغاز يوميا بأسعار مضاعفة لتستطيع العمل بطاقتها الانتاجية الكاملة.

أوضح الجيوشي، أن تحرير سعر الصرف أدى إلى زيادة سعر الغاز بنسبة 100% على الأقل، والذي تسبب في خسائر تتراوح بين 15إلى 25% لدى مصانع القطاع، مضيفًا أن الفترة التي سبقت تعويم الجنيه لم تكن إشكالية التسعير هي العقبة في ظل تحميل جزء من تكلفة الغاز على سعر المنتج النهائي للمستهلك، ولكن حاليًا تحول سعر الغاز إلى تحدي أمام تحقيق معدلات التنمية المستهدفة للمصانع.

طالب بضرورة تخفيض سعر المليون وحدة حرارية للغاز الموجه للمصانع، بحيث يتم حساب التسعيرة بالجنيه بدلا من الدولار، باعتبار أن 90% من إنتاج الغاز يتم من خلال السوق المحلية، ولا يوجد داعي لحساب التسعيرة بالعملة الصعبة.

لفت إلى أن أزمة توريد الغاز للمصانع ظهرت خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، وبالتالي فإن خسائر القطاع الصناعي خلال 2016 لم تكن ضخمة، باعتبار أن أزمة تسعيرة الغاز لم تظهر هي الأخرى سوى بعد قرار تعويم الجنيه.

أكد أن قرار رئيس الوزراء بتخفيض سعر الغاز من 7 إلى 4.5 دولارًا  الصادر في مارس 2016، لدعم صناعة الحديد، لم ينفذ حتى الآن، وهو ما يثير الريبة لدى المستثمرين، خاصة وأنه لم يحدد المصانع التي يطبق عليها القرار، مشيرًا إلى توقعات المراقبين لقطاع الطاقة في مصر، الذين تنبأوا بتراجع  كميات الغاز الموردة للمصانع من الطاقة بصفة عامة والغاز على الأخص، وهو ما ينذر بأزمة جديدة على الصناعة الفترة المقبلة.

من جانبه قال المهندس صبحي نصر نائب رئيس مجلس إدارة شركة سيراميكا لابوتيه، إن معظم شركات السيراميك تبحث حاليًا على مصادر طاقة بديلة للغاز الطبيعي لتشغيل مصانعها، لعدم قدرتها على دفع تكلفة التوريد عقب قرار التعويم، حيث تعاني كافة المصانع من تسعيرة الغاز الطبيعي بـ 7 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بما يعني زيادة تكلفة الغاز 3 أضعاف، والذي يمثل 40% من تكلفة الإنتاج.

أوضح نصر، أن الشركات لا تستطيع تحمل زيادة التكلفة عقب التعويم، خاصة وأنه لم يؤثر فقط على سعر الغاز بل في كافة مراحل الإنتاج، بما أدى إلى ارتفاع كبير في التكلفة والتي لا تسطيع المصانع تحميلها على سعر المنتج النهائي لعدم تقبل السوق لذلك، مشيرًا إلى أن ذلك من شأنه إحداث أزمة داخل السوق.

أكد أن الدولة لابد أن تضع في اعتبارها ضرورة حل هذه الأزمة، وأن يتم تخفيض سعر الغاز الموجه للمصانع أو تسعيره بالجنيه، خاصة أن حساب فائدة تقسيط المديونية الخاصة بالمصانع بـ18.5% بزيادة 2.5% عن فائدة البنك المركزي، جعلت المصانع لا تتكالب على تركيب الغاز، مطالبًا بضرورة وجود تسهيلات في سداد قيمة كميات الغاز تصل إلى شهرين على الأقل لتحفيز المستثمرين، خاصة في ظل الخسائر الكبيرة التي تتلقاها الشركات نتيجة التسعير وعدم تقبل السوق.

التزام إيجاس وجدولة المديونيات

ويؤكد المهندس محمد المصري رئيس الشركة القابضة للغاز الطبيعي إيجاس السابق، أن معدلات ضخ الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي تتم وفق احتياجاته التي يتطلبها بالرغم من تراجع الإنتاج في بعض الأحيان والتي يتم تعويضها من خلال الأسواق العالمية، مشددًا على التزام إيجاس بضخ كامل كميات الغاز لمختلف الصناعات سواء الكثيفة أو الصغيرة والمتوسطة دون توقف أو تخفيض للكميات المتفق عليها، بعد وضع ضوابط لتحصيل مديونيات القطاع الصناعي مقابل استهلاك الغاز.

أضاف أن الشركة القابضة إيجاس وضعت نظاما لجدولة مستحقاتها لدى القطاع الصناعى يتضمن قيام مصانع القطاع العام بسداد المديونية على 6 سنوات بدون دفعات مقدمة، مقابل ثلاث سنوات للقطاع الخاص ودفع 25% من قيمة الدين مقدما مع إلغاء المبالغ التى كانت تطالب بها القابضة مقابل الكميات التعاقدية التى لم تستهلكها هذه الشركات.

أشار إلى جدولة 2 مليار جنيه من مديونيات المصانع المتراكمة بسبب إجمالي سحوبات الغاز، وذلك على فترات تتراوح بين 3 و 5 سنوات، مع التزام المصانع بجدولة مديونياتها المستحقة عليها، والتى تم الاتفاق عليها، وخاصة شركات القطاع الخاص المستهلكة للغاز، لافتًا إلى مشكلة مصانع الطوب بعرب أبو ساعد والتي تم الاتفاق على حلها وسداد جزء من مديونيتها مقدما وجدولة باقى الدين على 5 سنوات بدلًا من ثلاث.

أوضح أن القطاع يأخذ في اعتباره جيدًا ضرورة توفير كميات الغاز الطبيعي للسوق المحلية، سواء من خلال الإنتاج المحلي -بمناطق امتياز البحر المتوسط وغيرها-، أو عن طريق استيراد شحنات الغاز المسال من الخارج، والتي تسهم في سد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

أكد أن الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي يبلغ قرابة الـ 5.2 مليار قدم مكعب يوميًا، والإنتاج يقدر بقرابة الـ 4.4  مليار قدم مكعب، وتستهدف إيجاس أن يصل الإنتاج لأكثر من 5 مليارات قدم بدخول حقل ظُهر نهاية العام الجارى، ومشروعات شمال الإسكندرية، على أن تزيد إلى أكثر من 7.5 مليار قدم فى 2020-2021، والتي ستسهم في تلبية احتياجات مختلف قطاعات الدولة وليست الصناعية فقط.

من جانبه أكد شريف الجبلي رئيس غرفة الصناعات الكيماوية ورئيس شركة أبوزعبل للأسمدة، أن هناك انتظام في توريد الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة حيث تحصل على كافة احتياجاتها مما جعلها تعمل بطاقتها الانتاجية الكاملة، موضحًا أن انتظام التوريد خلال الصيف يرتبط بأحمال الكهرباء، ففي حالة حدث ضغط عليها يتم خفض كميات الغاز الموجهه للمصانع لتغطية احتياجات محطات توليد الكهرباء.

أضاف أن سعر الغاز تسبب في زيادة التكلفة المنتج النهائي بشكل كبير، خاصة أنه يشكل 70% من تكلفة إنتاج الأسمدة الأزوتية، حيث يبلغ سعر المليون وحدة حرارية الموجة لمصانع الأسمدة نحو 4.5 دولار، وعقب التعويم باتت تلك التكلفة مرتفعة، مما جعل الشركات تُحمل فروق سعر لغاز في سعر المنتج النهائي، مشيرًا إلى أن مديونيات سحب الغاز الحالية تعتبر قديمة ويتم تسديدها بالتدريج بما لا يؤثر أداء المصانع.

على النقيض؛ يؤكد الدكتور إبراهيم زهران، الخبير البترولي، أن المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة ” الحديد، الأسمنت، السيراميك، السماد” تستهلك نحو “ثلث” الإنتاج المصري من الغاز الطبيعي، كما تحصل تلك المصانع على الغاز بسعر حوالي 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، في حين أن الحكومة تقوم باستيراد كميات الغاز من الخارج بسعر يتجاوز الـ 12 دولار، الأمر الذي يزيد الأعباء على قطاع البترول المرحلة المقبلة.

طالب بضرورة حصول الصناعات التصديرية على الغاز بسعرة الطبيعي، باعتبارها تحصل على وقود مدعم لتصديره للخارج في صورة منتجات بأسعار باهظة، إضافة إلى ضرورة اتخاذ خطوات سريعة لاستيراد الغاز لسد الفجوة بين الانتاج والاستهلاك، ولمواكبة الزيادة المستمرة في استهلاكات الغاز بالقطاع الصناعي.

شدد على ضرورة رفع معدلات إنتاج الغاز، لحث المستثمرين الأجانب على الدخول في مشروعات استثمارية وصناعية جديدة، من خلال إنشاء عدد من المصانع والتجمعات الصناعية باستثمارات ضخمة، والتي ستسهم في رفع معدلات النمو الإقتصادي بالدولة.

أوضح أن قطاع البترول متلزم بعمليات ضخ كميات الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستهلاك، وذلك في الأوقات الطبيعية، لكن في حالة أزمات إنقطاع الكهرباء واحتياج محطات الوقود إلى كميات مضاعفة من الغاز الطبيعي، فتضطر الشركة القابضة إيجاس إلى سحب جزء من حصة الشركات والمصانع وتوجيهها إلى محطات الكهرباء، حيث أن هناك أولويات دائمة بالنسبة للمواطن العادي في الوفاء بأغراضه، ثم بعد ذلك يتم سداد إحتياجات باقي القطاعات الصناعية والتجارية.

 

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>