“التشييد والبناء” وشارة القيادة !

الاعلامية دينا عبد الفتاح

لم يمض كثير من الوقت وأيقن الجميع بأن قطاع التشييد والبناء بات يشكل المتغير الأهم في معادلة النمو الاقتصادي في مصر بعد الكم الهائل من الفرص الاستثمارية المربحة المتوفرة بالسوق المحلي والتي تكفي لاستيعاب كل الشركات العاملة بالقطاع بل وتستوعب شركات جديدة أيضاُ.

فالمشروعات القومية التي أطلقتها الدولة علي مدار الفترة الماضية والتي كان آخرها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذي تم إسناد تنفيذه للشركات المحلية بعد فشل التعاقد مع المستثمر الأجنبي لعبت دوراً هاما في تحريك المياه الراكدة بالقطاع وتحويله من دفة الخسائر إلي دفة الأرباح ومن الانكماش والركود إلي التوسع الأفقي والرأسي المبني علي نظرة أكثر تفاؤلاً للمستقبل.

وأصبح القطاع في حاجة ماسة خلال الفترة الراهنة لمزيد من الدعم من الدولة لكي ينجح في تنفيذ الكم الهائل من المشروعات التي أسندت إليه، ولكي يقوم بدوره المنتظر في قيادة عملية التنمية وجذب كافة القطاعات الأخرى معه في تحرك موازي للأمام تحت شعار “مصر تنمو”، حيث يمتلك قطاع التشييد والبناء أعلى درجات التشابك القطاعي مع باقي القطاعات الأخرى كالقطاع العقاري والسياحي والصناعي والزراعي والقطاعات الخدمية كالنقل وهذه القطاعات مجتمعة تمثل ما يزيد عن 85% من إجمالي الناتج القومي للدولة ، الأمر الذي يبرز الأهمية القصوى لهذا القطاع الانتاجي الهام، ودوره المتوقع في الحراك التنموي في مصر خلال الفترة المقبلة.

وحول المتطلبات التي بات القطاع في حاجة كبيرة إليها فيمكن ربطها بعدة عناصر في مقدمتها حجم الأعمال الذي يمثل العرض بالنسبة للمقاول في الاقتصاد ، وهذا العنصر متوفر نتيجة الحجم الكبير من المشروعات القومية الذي تم إطلاقه علي مدار الفترة الماضية بما وسع الفرص المتاحة في الاقتصاد لجميع القطاعات وخاصة قطاع التشييد والبناء.

العنصر الثاني يتمثل في توافر التمويل اللازم الذي يعد تحديا هاما أمام كافة القطاعات الانتاجية وخاصة قطاع المقاولات الذي تصنفه البنوك علي أنه مرتفع المخاطر الأمر الذي يتطلب تذليل هذا التحدي ومعالجته بتحفيز الادخار والشمول المالي في الدولة والبحث للعجز المالي في موازنة الدولة عن ممول آخر خارج الجهاز المصرفي .

أما العنصر الثالث فيرتبط بالعامل المدرب القادر علي حمل لواء البناء والانتاج بما يتطلب من الدولة وضع برامج تدريب فعالة وصياغة استراتيجيات واضحة للربط بين مخرجات نظام التعليم ومتطلبات سوق العمل.

ولو توافرت هذه العناصر الثلاثة يمكننا التحدث عن عنصر رابع آخر يغلف هذه العناصر، وهو البيئة التشريعية المستقرة والمحفزة علي العمل والتي تنظم العملية الانتاجية وتحكم علاقة البائع بالمشتري والعارض مع الطالب والعامل مع صاحب العمل ، وبالتالي لو اشتملت خطة الحكومة علي آليات لتوفير هذه العناصر الأربعة يمكننا القول حقا بأن مصر ستنهض بقيادة قطاع التشييد والبناء.

أما إذا لم تتوافر هذه العناصر فسنكون بصدد ما يطلق عليه الاقتصاديون “تكلفة الفرصة البديلة” وهي عبارة عن الخسائر الناجمة عن عدم تحقيق المكاسب، فقطاع التشييد والبناء قادر وبلا شك وفق كل المعطيات الحالية ليقود حراكاً انتاجياً وتشغيلياً موسعاً في السوق المصري، وقادر علي أن يستوعب مايقترب من 4 مليون عاطل تقريباً بمعدل بطالة يزيد عن 13% وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً ، بما يشير إلي أننا سنكون فشلنا في اختبار هام وهو تحديد من أين تبدأ “التنمية” وإلي أين تسير.

فالمنطق يشير لضرورة الاستعانة بقطاع واحد يمتلك أعلي درجات التشابك القطاعي لكي يجذب معدلات الانتاج والتشغيل في باقي القطاعات وهذا يسمي اقتصاديا بـ “قاطرة النمو”، وقطاع التشييد والبناء بات يملك هذه المواصفات لذا فالبعد عن تحفيزه أو إهماله وعرقلته بمشكلات ومعوقات لا داعي لها سيدفع ثمنه الدولة والمجتمع وليس المستثمر والعامل فقط.

ولو تحدثنا عن مدى ملائمة طبيعة هذا القطاع لترسيخ أسس التنمية المستدامة في مصر فنجد أن استدامة النمو لقطاع البناء والتشييد في مصر باتت شبه مضمونة لسنوات مقبلة بسبب كم الأعمال الهائل الذي تعاقدت عليه الشركات وستسعي لتنفيذه في الحاضر والمستقبل، وهذا يشير إلي أعلي درجات الأمان وضمان استمرار الطلب علي مخرجات هذا القطاع في المستقبل بما سيساهم في تنمية جانب العرض وخلق وظائف جديدة واستمرار تدفق رؤوس الأموال للاستثمار فيه.

كما أن استراتيجية التنمية المستدامة (رؤية مصر 2030) اشتملت علي سبعة محاور رئيسية لقطاع التشييد والبناء دور هام فيها فضلا عن قيامه بالدور الرئيسي في محور التنمية العمرانية الذي اشتمل علي 3 أهداف رئيسية الأول زيادة مساحة العمران في مصر بنحو 5% من مساحتها الكلية ، الثاني بناء 7.5 مليون وحدة سكنية في 15 عاما ، الثالث الوصول لحلول جذرية لمشكلة المناطق العشوائية ، والأهداف الثلاثة تتطلب قطاع مقاولات مصري قوي قادر علي تحمل مسئوليته تجاه الأهداف التنموية والاجتماعية التي تنشدها الدولة ، وهذا الدور يفرض علي الدولة ضرورة الاهتمام بهذا القطاع الهام وتذليل العقبات والمشكلات التي تواجهه لأنه يشتمل علي “بناة مصر” الحقيقيين وصناع التنمية الاقتصادية والعمرانية في الدولة .

ويجب علي مجلس النواب المصري أن يعي لهذا الدور الكبير الذي يلعبه قطاع التشييد والبناء في مصر وأن يحفزه بالآليات التي يملكها متمثلة في إقرار التشريعات كقانون التعويضات وإقرار عقد “الفيدك”، وتيسير شروط العمل بالقطاع وتسهيل دخول وخروج الشركات من السوق بما يعطي مؤشراً ايجابياً للمستثمر الأجنبي ويجذبه للشراكة مع نظيره المصري لتنفيذ مشروعات مشتركة يساهم فيها الشريك الأجنبي بالتكنولوجيا والمعدات المتطورة وجزء من التمويل، بينما يساهم شريكه المصري بالقوى العاملة والخبرة في السوق المصرية، ويتحركا معاً لتنفيذ مشروعات خارجية في السوق الأفريقي الذي يزخر بالعديد من الفرص الاستثمارية المربحة في الفترة الحالية وكذا ببعض الأسواق العربية التي أعلنت تنفيذ كم هائل من المشروعات في المستقبل يتيح دخول الشركات المصرية للمنافسة بها وخاصة في كل من المغرب والجزائر.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>