صناعة النجاح وتجاوز الفشل

الاعلامية دينا عبد الفتاح

الرهان على النجاح هو النظرية الأبدية التى لاتقبل الجدل لإحداث الفارق على كافة المستويات فى مصر هذه اللحظة، وسط أجواء تشاؤمية مركبة تدفع بنا إلى المجهول بلا هوادة، معتقدة فى نفسها أن مرحلة مابعد الفشل والإخفاق هى الموت، وليس المحاولة من جديد، حيث لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم!  .

كما أن سقف توقعاتنا لهذا النجاح يجب أن نبنيه بأيدينا، لأننا ببساطة إذا تركناه بأيدى غيرنا  فسنبقى ضعفاء وسنظل كذلك لوقت طويل جدا.

وهذا يقودنى إلى قضية إلقاء الضوء على الناجحين فى هذا المجتمع، ليشكلو خط الحماية الأول والأخير أمام الأزمات، وفى مراحل لاحقة يدفعوك بقوة نحو خطوة للأمام .

وتبقى القدرة على المبادرة وكفاءة الأداء فى هذا الاتجاه من قوى المجتمع هو طرف المعادلة الأصيل، وبالمعايير الرقمية نختصر عملية البحث عن الناجحين.

هذه هى الفلسفة المعتمدة لي ولفريق عمل مجلة “أموال الغد” منذ سنوات طويلة، باعتبارنا المؤسسة الصحفية الاقتصادية الوحيدة التى حركها الطموح والأفكارالجديدة وليس ضخ تمويلات من هنا وهناك، مما شكل لدينا أيقونة يجب أن تلمع كل يوم بأبجديات التفاؤل والنجاح حتى فى ظل الأزمات .

وهو مادفعنا إلى الإلتفات للسياق الصحيح الذى يجب أن تعبر فيه الصحافة الاقتصادية، ليس الخبر والتحقيق والتحليل وفقط، لكن التحرك بايجابية لدعم مجتمعات الأعمال والاقتصاد المصري بشكل عام، عبر تدشين “قمة مصر للأفضل” التى تشهد تصنيف وتكريم أفضل 100 شركة فى مصر وأقوى 50 سيدة تأثيرا فى الاقتصاد، بهدف منح امتيازات من شأنها تشجيع الشركات الناجحة على زيادة استثماراتها بالسوق المصرية، والاعتماد عليها فى تنفيذ مشروعات التنمية الشاملة، فى إطار خطوات الإصلاح الاقتصادي.

ويأتى احتفالنا هذا العام فى وقت استثنائى على كافة الأوجه بعد قيام الدولة بعملية إصلاح اقتصادي شاملة بدأت بتحرير العملة وتخفيض الدعم، وهو ما يستدعى بلورة نموذج مؤسسي للشركات المتواجدة فى السوق المصري ورصد نتائجها المالية وقيمها السوقية، حتى تكون الدولة أكثر قدرة على التواصل مع آليات وأدوات السوق، لتنفيذ مخططاتها التنموية بشكل صحيح وتلافى أية أخطاء يمكن أن تحدث وتؤثر بشكل مباشر فى تطور قنوات الاقتصاد المصري.

هذا هو الاحتفال الذى يجب أن تتبناه الدولة فى مطلع العام الجديد، حتى نصل إلى “السعادة الحقيقة”، التى وصلت إليها الكثير من دول العالم، لاعتناقهم هذه الفلسفة لسنوات طويلة حتى أصبحو اليوم يحتفلون بشكل حقيقى مطلع كل عام بما حققوه من نجاحات وبما يطمحون إلى تحقيقه فى المستقبل.

وبالوقوف بشكل عملى على هذه الأطروحة، هل لدى الدولة آلية محددة تختار بها الناجحين؟ ؛ وما هي منهجية هذه الآلية والأسس التي ترتكز إليها؟

إذا كانت الإجابة بنعم على هذا السؤال، فحينها علينا أن نعلم أن الدولة بدأت إدراك قيمة العلم والبحث العلمي المنضبط الذي يقارن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، ويربط بين المقدمات والنتائج في إطار المنطق، ويستهدف تحقيق مجموعة من الغايات المعبر عنها بصورة رقمية والتي يمكن قياسها ومراقبة مستوى الإنجاز فيها.

أما إذا كانت الإجابة بلا ، وأنا أميل إلى هذا الاتجاه، فعلينا مراجعة أنفسنا وإعادة تقدير الوزن النسبي للبحث العلمي في عملية التنمية وجهودها ، وعلينا أن نتحول من الآن نحو النموذج التنموي القائم على البحث والمقارنة.

سمة أمر ما يؤكد وجهة نظري في احتياجنا لمزيد من الاهتمام فيما يخص عملية الرصد والتقييم والتحليل والتصنيف لكافة المتغيرات الاقتصادية وتوخي مرونة أكبر في التعامل معها حتى لا تكون تحدي أكثر منها فرصة ومعوق أكثر منها حافز، هل راجعت أجهزة الدولة المعنية مستهدفاتها التنموية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل بعد الإصلاحات الهيكلية الأخيرة التي أقدمت عليها الحكومة في مطلع نوفمبر 2016 على صعيد السياسة النقدية والمالية بل والتنموية أيضا؟.

بالطبع لا أو لم يظهر دليل على الإجابة بنعم حتى الآن، وهو ما يبرز جمودنا الكبير في التعامل مع الخطط والمستهدفات وإغفال كافة المتغيرات التي يمكن أن تصوب من توجهاتنا المستقبلية وتقودنا بمزيد من الرشد للمستقبل.

فالتعديلات الهيكلية الأخيرة حتما ستتطلب تعديل مستهدفات الاقتصاد، بل وتعديل الآليات التي يعمل من خلالها، وهذا يتطلب تحليل ورصد لأداء كافة مؤسسات القطاع الخاص وعلى وجه التحديد المؤسسات الإنتاجية البارزة التي لها ثقل في الاقتصاد، والتعرف على تغيرات السياسات الإنتاجية والتسويقية والتمويلية المتعلقة بهذه المؤسسات حتى يمكن للحكومة أن تضع حوافز جديدة في مواطن القوة، وأن تصغ خطة عاجلة لتصويب الخطأ في مواطن الضعف .

هذا النموذج يمثل قلب عملية التنمية والإطار العام الذي نما فيه الفكر الاقتصادي من جيل لآخر ومن مدرسة لأخري بدءاً من آدم سميث أبو الاقتصاديين مرورا بجون ماينارد كينز، وصولا لستيفن سميث ومحمد العريان وجلال أمين وغيرهم.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مثال تطبيقي هام، منذ أكثر من 3 عقود من الزمن صاغت ماليزيا والأرجنتين، نفس المستهدفات التنموية تقريباً، ونشدت الحكومات خطط العمل الرامية لتحقيق التقدم والإزدهار، وتفاءل الناس بمستقبل بلادهم، وبدأوا في صياغة الأمنيات ورسم الأحلام، وربط الحزام تمهيداً لإقلاع طائرتهم نحو المستقبل المشرق الجديد.

اهتمت ماليزيا بمراجعة مستهدفاتها بين الحين والآخر وتوفير أدوات التكيف مع كافة المتغيرات التي تظهر هنا وهناك، وتقييم السوق والعاملين فيه سواء كانوا مؤسسات إنتاجية كبرى أو حتى أشخاص بارزين، بينما أغفلت الأرجنتين هذه الجوانب وتلاطمت مع أمواج الأزمات التي تظهر بين الحين والآخر دون منهج أو توجه واحد، وكانت النتيجة أنه بعد عقد من رصد هذه المستهدفات تحسنت أحوال الشعب الماليزي، وبدأت بالفعل طائرتهم بالإقلاع نحو المستقبل المشرق، فيما تعثرت الأرجنتين بل وأعلنت إفلاسها وعدم قدرتها على سداد ديونها الخارجية للدول والمؤسسات المختلفة.

لذا علينا أن نستغل الدفعة الإيجابية التي شكلتها عملية الإصلاح التي تمت في مصر مؤخرا أفضل استغلال وأن نوازن بين مصالح المجتمع ومصالح أفراده، وأن نتحرك نحو المستقبل بعين ثاقبة ترصد كل المتغيرات الجديدة وتقيم كل المؤثرين في الاقتصاد سواء كانوا أشخاص أو مؤسسات، للتعرف منهم على المزيد من مستحدثات نظام السوق الحر الذي تعمل الدولة وفقه، وتطبقه على كافة أنشطتها الاقتصادية.

وعلينا أن ندرك أن التحرك نحو المستقبل لابد وأن يتم بخطى ثابتة وأن المستهدفات التنموية والاقتصادية قابلة للتعديل وفق الظروف الخارجية والداخلية التي يتعرض لها الاقتصاد وأنها ليست بقرآن أنزل وجب الالتزام به كما هو عليه، كما أن الخطأ ليس في تعديل المستهدفات في الظروف الصعبة وتعظيمها في الظروف الإيجابية والمحفزة، وإنما الخطأ أن نعلن أننا ذاهبون إلى اتجاه معين والواقع يشير إلى الذهاب في الطريق المعاكس.

وللأسف كانت هذه السمة هى القاسم المشترك بين مختلف الخطط الخمسية والعشرية وطويلة الأجل التي وضعتها الدولة على مدار العقود الماضية، والذي جعلها في النهاية بمثابة إطار نظري يمثل وجهة نظر واضعيه، وليس بمثابة خطة عمل حقيقية تستهدف المستقبل وتتحكم في مصير أمة.

الاقتصاد بات بحاجة لعوامل واضحة ومحددة تتلخص في تقدير أعلى لقيمة العمل، اهتمام أكبر بدور البحث، تكيف أفضل مع المتغيرات الجديدة، رؤية أوضح للمستقبل القريب، ودعم أكبر لمفهوم “النجاح” في عالم المال والأعمال.

بدون هذه العوامل سنعيد بين الحين والآخر بداية طريق التنمية، ولكن بشكل مختلف، حتى تمر العقود ويتقدم الجيران والأشقاء والأعداء بينما نحن “محلك سر”، ونظل نردد مقولة مفادها “بكرة أحلي” على الرغم أنه جاء آلاف المرات ولم يكن كذلك، ونستدعي من الماضي ذكريات البطولة لأجدادنا الفراعنة الذين تركوا إلينا حضارة عظيمة وتاريخ طويل ومجيد ، ولكن للأسف هو في وجهة نظر الاقتصاد والاقتصاديين “كتل حجارة”! .

وفى النهاية يتبقى الحبل الرفيع الذى وإن قطع سيؤدى الى ظروف سيئة لن يتحملها أحد، وهو حبل المتمسكين بالنجاح والعارفين لإمكانياتهم الحقيقية ولإمكانيات وطنهم حتى فى الظروف الصعبة.

كما ان التفاؤل والتشاؤم ليس من قاموسهم، لأنهم يخططون للمستقبل بلغة الأرقام ، ويتدافعون نحو الفرص التى دائما ماتكون بين السطور فى حين كثيرين جدا يبتغون العنواين والعمليات غير المعقدة.

لنعيد ترتيب أوراقنا، ونحيى أمالنا بالناجحين فى كافة المجالات ، لعلنا نرى مصر التى نحلم بها قريبا جدا .

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>