اصطياد الضباب

%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a7-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad

فى خطط الحرب يكون الجيش مقسم إلى فرق ولواءات حتى يستطيع الوصول إلى أهدافه على مساحة جغرافية محددة ، وأى خلل ولو فى فرقة واحدة يستدعي القائد أن يطور خطة الحرب لتغطية هذا الخلل حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه وهنا يمتلك فرصة.

فى التنمية الاقتصادية الأمور متشابهة لكنها أخطر وأعقد ، فإذا لم تخطط جيداً للتنمية لن تدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان ، خاصة إذا كان جيشك هو شعبك فى حالة النصر وعدوك أيضاً فى حالة الفشل ، كما أنه لن ينسحب بل سيطالب بحقوقه المشروعة بأى شكل كان ، دون النظر إلى تعقيدات اقتصادية أو موزانة تقديرية أوإلقاء اللوم عليه فى أنه لا يعمل ! .

وفى مثل هذا النوع من المعادلات لا توجد أهمية حقيقية لأية تفاهمات سابقة حيث أنها ستنهار واحدة تلو الأخري .

وهذا فى حد ذاته يمثل إشارة خطرة لسيناريوهات مقبلة تتجاوز تصريحات السادة المسئولين  وبنفس التوقيت أيضاً تحمل علامات وعقيدة لمن يرغب فى الإنتباه باكراً دون الإنخراط فى عالم ” الطبيعى والعادي ” .

فطالما العربية تسير ولو بعجلة واحدة فإننا فى الجانب الأمن ، متناسين عمداً أن الطريق ملىء بالمسامير ذات الحجم الكبير .

لا يمكن تجاهل ، النتائج السلبية للاصلاح الاقتصادي التى تمت خاصة وأن النتائج الايجابية مؤجلة لأعوام قادمة وإمكانية حدوثها من عدمه فى علم الغيب .

وبقدر رفع المظالم عن الفئات المتضررة تنخفض الاحتقانات وتتضائل .

فرفع الأسعار وتعويم الجنيه ليس هدفاً فى حد ذاته ، وإن كان هدفاً فهذه طامة كبرى ، كما أن العناوين العامة غير السياسات المحددة لا تمكن أحد من قراءة المشهد بشكل واضح ولا التنبؤ بالمستقبل بأي حال.

فالأرقام على أرض الواقع تحتاج إلى قراءة دلالتها من المسئولين وتحويلها إلى سياسات أكثر وضوحاً وحسماً فى نفس الوقت ، فى ظل حقائق وأيضاً إشاعات تنتقص كل يوم من خطط الإصلاح ، مع الأخذ فى الحسبان التحولات التى مرت بها هذه الدولة خلال الست سنوات الماضية ، والتى بالتأكيد دهست كل توقعات المحللين والمتفلسفين بالمشهد .

وبالتالى يجب أن ننتبه إلى أننا ندخل العام الجديد ، ونحن محملين بالكثير من الأعباء ، ومحشورين إجبارياً بين المستحيل والصعب فى صلب أزمة شبه مكتومة مترامية الأطراف .

وبقدر المشاركة بين فئات الشعب تتأكد صلابة المجتمع وقدرته على مواجهة أزماته.

والمراهنة على وعى الشعب وإدراكه لما يحدث هو درب من الهوي يقصد به مروجوه أنفسهم وفقط .

فالإنعزال عن الحقائق لا يخفيها من أمام وجهك ، وإن اختفت فإلى قدر معلوم .

أهم الأسئلة الآن : إلى أى مساحة وصلنا إليها بعد القرارت الأخيرة ؟

فى ظل تصريحات تؤكد أننا فى حالة من التذبذب ستستمر لمدة سنة على أقصى تقدير على لسان الإقتصاديين ، فى مقابل تصريحات أخرى تؤكد أننا خرجنا من عنق الزجاجة ونحن على الطريق الصحيح على لسان السياسين ، مع استبعاد الأصوات النشاذ التى لاترى شيئًا سلبيًا والأخرى التى لاترى شيئا إيجابيًا .

بحسابات تمركزها الحقيقة ، فأننى أميل إلى وجهة نظرالإقتصاديين التى لاتعرف إلا لغة الأرقام فى حساباتها للمستقبل.

لكن هل تتبنى الدولة هذا التوجه ، وهل لدى أجهزة الدولة هذا الإدارك الذى يدفعها للعمل على كافة المستويات التشريعية والتنفيذية للمرور بعام عجاف لايصلح معه إلا محاولات لاصطياد الضباب ، وهى تجربة تقوم بها بعض الدول لمواجهة نقص المياه، خاصة عند توقف هطول الأمطار. وتعتمد هذه الطريقة على شباك يصطاد فيه الضباب والرذاذ بشكل يومي ويتصل بأحواض لتجميع المياه، أو تعتمد على الأشجار التي يمكنها تجميع الرذاذ وتحويله إلى مياه قابلة للاستخدام في الفصول الأخرى.

وهو ماسيحدث بالضبط فى الحالة المصرية ، فى ظل حالة ضبابية نعانى فيها من نقص الموارد الدولارية وتراجع السياحة والتصدير وارتفاع عجزالموازنة.

فبات واضحاً للجميع أن منطق السياسة المتحور حول “فن الممكن” ، هو الذي سيحكم الاقتصاد في العام الجديد، بمعني المرونة التامة في التعامل مع النتائج وحصد كل النتائح الممكنة حتى وإن كانت لا تتسق مع المقدمات.

حيث من الصعب في ظل اقتصاد لا يمتلك الموارد أن ترسم خطة متفائلة للنمو والاستثمار، طالما الرهان بات علي “مفاتيح” في يد الغير وليست في يدك أنت، وأصبحت بمثابة “مجتهد” تفعل كل ما بوسعك حتى يمكنك تحقيق “ما تتيحه لك الظروف”.

هذا المنطق هو الذي يحكم الاقتصاديات التي تتشابه ظروفها مع ظروف الاقتصاد المصري بالإضافة إلي أنها لا تمتلك خطة منضبطة لها مستهدفات واضحة وآليات أكثر وضوحًا وواقعية.

وعلي الرغم من كل التحديات والاخفاقات سوءًا كانت سابقة أو حالية إلا أنه يمكننا التعامل مع المستقبل بشكل أكثر واقعية ، نحترم فيه “المشاكل” التي تواجهنا ولا نحقر منها ولا نغفلها أو نتناسها، حتى تتفاقم المشاكل لأزمات وحينها تجبرنا الأزمة علي الجلوس علي “مائدة” لا تجمع سوى مجموعة ممكن كتبوا آيات الإخفاق في عقود طويلة مضت ، سواء كانوا “السادة المفكرين” في المعاهد التخطيطية والبحثية الحكومية أو السادة مستشاري العصور البائدة ممن ارتقوا لمرتبة “وزراء” أو يخططوا لذلك .

ويأتي بعد “احترام المشاكل” أن نعد بدائل للمواجهة ونختبر كل بديل وفقاً للمعيار الاقتصادي المعروف ألا وهو “الموازنة بين التكاليف والعائد” فلكل حل حساباته ولكل حسابات متضرر ومستفيد، وهنا علينا الموازنة بين حجم المنافع وحجم التكاليف أو الضرر، وصولاً للحل الأمثل الذي يمكن تطبيقه.

وبخصوص المشكلات التي علينا التعامل معها بشكل فوري فيمكن إجمالها في أربع مشكلات رئيسية، المشكلة الأولي تتعلق بفجوة الموارد المتسعة في الاقتصاد والتي تزيد عن 8% من الناتج المحلي الإجمالي ويتطلب تمويلها من الخارج نتيجة محدودية معدلات الإدخار المحلية التي تدور حول 7.5% سنويًا واستهداف معدلات استثمار متفائلة تزيد عن 15%، وهنا يجب وضع حلول مقترحة لهذه المشكلة والبدء في اختبارها وتطبيقها مثل تحفيز الشمول المالي في الاقتصاد وفتح قنوات ترويج فعالة للاستثمار في مصر في الخارج.

المشكلة الثانية ترتبط بحالة ميزان المدفوعات المصري الذي يعبر عن الموارد الدولارية وحجم الإنفاق منها ويظهر عجزاً دائماً بما لا يستطيع معه أن يستقر الاحتياطي النقدي لحد الكفاف في تغطية وارداتنا في 3 أشهر ويدفع لاستمرار الفجوة التسويقية بين العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي بما يهدد بمزيد من التراجعات في قيمة الجنيه أو ظهور سوق سوداء جديدة، وهنا لابد وأن ينطوي الحل علي إعداد بدائل تتعلق بتنمية موارد النقد الأجنبي وفي مقدمتها السياحة والاستثمار والتحويلات الخارجية.

المشكلة الثالثة تتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل علي المستثمر المحلي في الفترة الحالية بعد الإنكماش النقدي الذي طبقه البنك المركزي برفع الفائدة علي الاقتراض من 12.75% إلي 15.75% مع رفع معدل الفائدة علي الإيداع بنفس النسبة إلي 14.75% بما يرفع من تكلفة الفرصة البديلة للاستثمار الحقيقي بالنسبة للمستثمر ويدفعه لوضع أمواله في البنوك ، مع إرجاء توسعاته المخطط أن يمولها من الجهاز المصرفي نتيجة ارتفاع أعباء التمويل، وهنا لابد وأن يرتبط الحل بصياغة محفزات جديدة لتمويل الاستثمار حتى لا ينتج عن الانكماش ركود في الصناعة والاستثمارات الفاعلة في الاقتصاد بما يخفض من معدل الإنتاج والشتغيل ويزيد من الفقر والبطالة.

المشكلة الرابعة تتعلق بضبط السوق ، وبلوغ أعلي المستويات في مفهوم “المنافسة الكاملة” مع تشديد الرقابة لمنع ممارسات الاحتكار سواءً كانت من المنتج أو التاجر بما ينتج عنه ارتفاع مطرد في معدلات التضخم لا يعبر بشكل دقيق عن حقيقة الاقتصاد ويقع بالمستهلك فريسة “الجشع” بما يهدد اعتبارات العدالة ويضر بالنمو في الأجل البعيد.

إذا أردنا أن نتحدث عن المستقبل فعلينا وضع إجابات واضحة عن تصور الحكومة لمعالجة هذه المشكلات ، وإذا أردنا قراءته فعلينا اختبار النتائج الإيجابية التي يمكن أن يؤدي إليها كل حل من الحلول التي لم تضعها الحكومة حتى الآن ! .

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>