هيستريا التفاؤل !

 alt

علامات الاستفهام هى عنوان اللحظة ، وأفيش فيلم لم يخرج للنور ، ولوحة إعلانية تشير الى أن هناك منتج قادم ، فالغموض سيد الموقف ،

والتشويق غائب فى حضور القلق ، والشفافية منتهية الصلاحية ، وقراءة الواقع والمستقبل مشوشة ، فى وطن التناقضات والمفاجآت ، وإذا ماسألت ستجد عشرات الأسئلة التي تشق الطريق لمجموعة من الأسئلة الأخرى .

التفاؤل بالمستقبل

أطروحة جيدة لكن الواقع غير جيد بالمرة فى نظر كثيرين .

فدائما مايتملكنى حالة جنون وشك، فى قدرة الدولة المصرية على التعامل مع المواقف الصعبة التى تمر بها فمابالك بالتخطيط للمستقبل ، لتأكدى المعتاد بأن كافة الأمور فى مصر يحسمها الحل الأمنى والاعلامي ، وهم لايخيبون ظنا فى العادة فى إرسال الملفات الحيوية تلو الأخري فى الأرشيف اللانهائى من الأزمات دون حل يذكر ليس لقصور فيهم ولكن بسبب أنهم ليسو ذي صفة !  .

وحادثة رشيد خير دليل ، فهي لم ولن تكن الأخيرة من نوعها ، ولن ولم تكن الأخيرة فى فشلنا المعتاد فى التبرير والتنكيل والترميم ، وحتى تلاوة أيات الحزن ، حتى وصولنا الى النظرية الحلفاوية المنسوبة الى نبيل الحلفاوي “عضبنا منهم أكبر من حزننا عليهم”   .

فهناك من لايدفع الثمن عاجلا لكنه حتما يذهب بنفسه الى المجهول.

ففقداننا القدرة على إيجاد حلول لأزماتنا المتتالية ، هو الوصفة الجهنمية للتشاؤم وهو ما يهدد أمن واستقرار الدولة ، بغض النظر عن محاولات البعض لنشر المناخ التشاؤمى أو التوجه عمدا الى هيستريا التفاؤل .

الاعتراف سيد الأدلة ، والانكار غير مجدى فى زمن الصراحة فيه خير ألف مرة من النفاق والكذب ، فالأزمة لن تتوقف إذا ماقررت أن تنكرها بل إنكارها يدفعها الى التضخم وجلب أنصار لها ومؤيدين يرغبون فى الصعود على أعتابها .

الأزمة الحقيقية ، هى عدم الاعتراف أساسا بوجود أزمة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية ، لم تتسبب فيها الثورات السابقة كما يدعى البعض ، أو أن هذا الشعب العنيد المتهم دائما فى سلوكه واستهلاكه هوالمخطىء .

الخطأ الأكبر يرجع الى أجهزة الدولة المسئولة وروتينها الذى تقدمه بلا حدود ، ولست هنا أعنى المسئولين ، فالأجهزة بمكاتبها وموظفيها أكبر بكثير وأعتى .

الخطأ الأكبر أننا خرجنا بسقف طموحاتنا الى مستويات غيرمسبوقة ، تخطت الحلم الأمريكي والارادة الألمانية ، لأننا ببساطة خرجنا فى الصحراء نبتغى الماء وظل يحمينا من الشمس الحارقة .

الخطأ الأكبر أننا غذينا شعور التعصب واستدعينا جينات الطبقية والدونية ، وأنكرنا على أنفسنا أن الاختلاف هو سر التقدم والإعمار ، خاصة إذا كان هناك بيننا روابط وقواسم مشتركة استدعيناها لسنوات ونجحت فى تخفيف حدة أزمات كادت تعصف بهذا الوطن ، لكن التاريخ عندنا ليس للقراءة وأخذ العبر وإنما للافتخار والتباهي .

الخطأ الأكبر أن الأزمة عندنا دائما تتعلق بشخص ، سواء كان رئيس مؤسسة أو عمدة قرية أو حتى مقاول أنفار أو حتى رئيس جمهورية ، وبزواله تنتهى الأزمة ، ونحن من نزعنا حسنى مبارك من حكمه وظلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية كما هي بل استفحلت الى اقصى حد ، ونحن من قتلنا السادات على يد جماعات متطرفة لأنه وقع اتفاقية كامب ديفيد ، وظلت الاتفاقية وبنودها كما هي ، ونحن من عزلنا مرسي وظلت فزاعته وجماعته هى سيدة المشهد وأنها السبب فى كل مايحدث .

أسوأ السيئات أن تحول أزمتك مع مؤسسة الى شخص ، ومع نادي الى مدير فني ، ومع مشروع تقدم وطن الى سوء النية  والمقصد !

وبالتالى نحن تخطينا أعتاب الأزمة ودخلنا فى دوامتها المرعبة التى ستخرج أسوأ مافينا إذا لم نعي ونفهم .

والكلام إذا كان بلا منطق سيسحب الكثير من الثقة فى برامج الاصلاح الاقتصادي التى أظن أننا لم نبدأها بعد، فكل سياسة اقتصادية في الدولة تحتاج إلي مراجعة ، وكل هدف مخطط يحتاج إلي اعادة النظر فيه وسط المتغيرات الجديدة التي شهدتها الساحة المحلية والدولية علي مدار الفترة الماضية، بل أن الكثير ممن يملكون زمام الأمور في إدارة الملف الاقتصادي أصبح حتميا أن يعاد النظر في مستقبلهم العملي، وفي مناصبهم السياسية والاقتصادية التي لم يحسنوا الأداء فيها.

السياسة النقدية في مصر تحتاج للإجابة علي كثير من علامات الاستفهام، حول مدى جدوى استمرار الحكومة في سياسات الانكماش النقدي وسط اقتصاد يعاني ركود نسبي في الكثير من قطاعاته، واستمرار الحوار عن تعويم الجنيه في ظل احتياطي نقدي لا يكفي لتغطية واردات 3 أشهر ، ووسط معدلات فائدة باتت عالية علي قروض الاستثمار في ظل مخاطر الاستثمار الكبيرة في السوق المصري والحاجة لمزيد من التسهيلات.

كما أن السياسة المالية في مصر تحتاج للإجابة عن العديد والعديد من علامات الاستفهام حول مدى استمرار الحكومة في القيام بدور الجباية التي لن تُحسن من وضعنا الحالي ، ولن نتمكن من رصد آثارها علي أرض الواقع سوي علي صعيد تراجع الطلب الكلي بدافع من تراجع القوي الشرائية للنقود، وكذلك علي صعيد تراجع الدخل الحقيقي للفرد وتدهور المستوي المعيشي، ناهيك عن حالة عدم اليقين في مستقبل الاقتصاد بل الدولة بصفة عامة علي مدار الفترة الطويلة الماضية.

ويأتي هذا إلي جانب سياسة التنمية الاقتصادية في الدولة التي ارتكزت إلي عدد معين من المشروعات القومية التي ناهضتها الكثير من العوامل والتحديات وأرجأت آثارها الايجابية علي النمو الاقتصادي علي الأقل في المدي القصير وبالتالي حاجتنا لإعادة صياغة استراتيجية جديدة للتنمية تتلافى في مضمونها التركيز علي مشروعات معينة والتحول للتنمية المتوازنة والشاملة التي لا ترتكن لقطاع معين أو إلي مشروع معين ، وفق مقولة “لا تضع البيض كله في سلة واحدة” .

كما أن سياسة العدل الاجتماعي في الدولة وآليات التخفيف علي الفقراء والبسطاء والمحتاجين تحتاج لإعادة نظر في المضمون والهدف ، في ظل تفاقم الأسعار بشكل غير طبيعي ، تآكل القوي الشرائية للأفراد ، وتراجع الدخل الحقيقي واتساع الشريحة الكادحة في المجتمع والضغط علي الطبقة الوسطي لتنضم لمصاف الطبقات الفقيرة في إشارة واضحة لمؤشرات خطيرة علي صعيد العدالة الاجتماعية في الدولة .

أضف إلي ذلك رؤية مصر 2030 التي أطلقتها الدولة وبدأت العمل بها مع مطلع يوليو 2015 ثم عادت لتؤكد أن بداية العمل الحقيقي للرؤية مع مطلع يوليو 2016 علي أي حال فالمستهدفات المتفائلة للرؤية تستلزم خطط تنفيذية وتحرك ايجابي أكثر من ذلك كما أن المستهدفات الاستثمارية والتنموية للرؤية يواجهها الكثير والكثير من التحديات علي صعيد محدودية الادخار المحلي وزيادة معدلات الاستثمار المستهدفة وبالتالي اتساع فجوة الموارد ، وسط ظروف خارجية للاقتصاد العالمي وداخليا للاقتصاد المصري تصعب من مهمة كثافة الاستثمار الأجنبي في مصر علي مدار السنوات القليلة المقبلة .

كل هذه التساؤلات جديرة بتغيير آليات إدارة الاقتصاد بشكل تام خلال الفترة المقبلة، وبالتالي علي صانع السياسات أن يعيد النظر في هذه الآليات وأن يضع تصور واضح للمستقبل يكون مدعوم بمنهجية صحيحة تحترم المنطق وتعترف بالواقع ولا تبالغ في هيستريا التفاؤل ! .

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>