نظرة إلى حال الشارع !

alt

تراجعنا بالتأكيد نحو الخلف ليس رفاهية منا للعودة، لكن تآكل كافة الرهانات المؤقتة أودى بنا إلى هذا الحال، “تخمة من اليأس والاحباط ، وكثيرا من اللامبالاة بالمستقبل”.

إرتفاع معدلات القلق العام فى تنامي ، وإن كان الاعلام يتحدث عكس ذلك، فلغة الاسكريبتات لا تصلح لشخص ثلاجته فارغة ومحملا بالديون .

إهمال النظام الإجتماعي في الدولة ومتطلبات استقراره يعد بمثابة قنبلة موقوتة، لا يمكن أن تتوقع وقتا لانفجارها، أو حجما لآثارها أو مقياساً منطقياً لمداها .

علي الدولة أن تعيد تحديد العناصر التي تراهن عليها وأن تحدد أولوياتها وفق معايير واضحة يمكن أن تستخلصها من تجارب الأمم الناجحة، أو من المنطق !

للأزمة الاقتصادية الحالية، تبعات اجتماعية مرعبة إذا ما استدعينا المنطق وابتعدنا ولو قليلا عن سلوكيات انكار الواقع، والعزف على أوتار الحماية والتاريخ والقدرة المرعبة للمصريين على مفاجأة العالم .

 

فنحن أمام مرحلة صعبة على كافة الأوجه بسبب سياسات حالية وسابقة، لم تدرك ما هو التغيير المطلوب، فبعد ثورتين لا نعرف ماذا تغير فينا حتى نغيره، وبالتالي لم نتقدم خطوة واحدة صحيحة للأمام .

 

وتراجعنا بالتأكيد نحو الخلف ليس رفاهية منا للعودة ، ولكن تآكل كافة توقعاتنا أودى بنا إلى هذا الحال،  ليتبقى تخمة من اليأس والاحباط، وكثيراً من اللامبالاة بالمستقبل والوقوف على منحدرات خطرة.

 

فنظرة إلى حال الشارع تكفي لأصحاب الفكر والسياسيين والاقتصاديين، ليتعرفوا بدقة على حجم المشكلة التي نحياها، فارتفاع معدلات القلق العام في تنامي واضح، وإن كان الاعلام يتحدث عكس ذلك، فلغة “الاسكريبتات” لا تصلح لشخص ثلاجته فارغة ومحملا بالديون.

 

فما أخطر على دولة، تذهب بشعبها نحو أحلام محددة تتساقط أمامه واحداً بعد الأخر، أمام صياد لا يخطىء وذخيرته تكفي لسنوات قادمة ! .

 

فالمجمتع بات يفقد الثقة بسبب عدم قياس مستويات ضغوطه المحتملة،  في ظل سلسلة من الإرهاصات الضريبية، وارتفاعات الأسعار المميتة، التي تفتح لنا الأبواب للحصول على قرض صندوق النقد الدولي الذي هو بالتأكيد ليس جمعية أهلية، وإنما شروطه رحمة في باطنها العذاب، فهو لا يفرق معه بعدا اجتماعيا مثل جوهر التماسك الوطني لسنوات عديدة .

 

والسؤال على ماذا ترتكن الدولة المصرية للعبور بخريطة الاصلاحات الاقتصادية القادمة؟ وعلى ماذا تراهن؟ وكيف ستدافع عن قضاياها المصيرية التي لن ولم يدافع عنها أحد في الداخل والخارج إذا ما أفضت بنا “لا قدر الله” إلى الهاوية .

 

الرهان السياسي على شعبية الرئيس ليس كافيا بالتأكيد، وتحميل هذا الرهان أكثر من حده خلال الفترة الماضية مثل مكمن الخطورة، واستدعائه حاليا في الاعلام ليطالبوا بتمديد للرئيس لفترة رئاسية ثانية، دون أن يراعوا التوقيت غير المناسب لطلباتهم هذه، ولكنهم انتهزوا الفرصة ليقدموا للرئيس، وقبله للأجهزة ، فروض الطاعة العمياء والولاء المطلق.

 

ورهان محاربة الإرهاب يتضائل جدا، أمام مجهودات ناجحة قام بها الأمن خلال المرحلة الماضية، وأصبحت مطالب العيش الكريم هي اللغة الأعلى  .

 

ورهان الأمن والأمان، واللعب على حكمة انظروا كيف كنا بعد ثورة يناير ، من أعمال تخريب وسرقة، وكيف أصبحنا لن تجدى أمام أفواه جائعة وأبدان ضعيفة، أنهكتها ثورتين رفعوا من سقف الطموح الى ما لا نهاية .

 

والرهان على الاعلام أيضا بات باهتا، في ظل حالة من التردي وصل اليها المحتوى المقدم ، حتى أصبحت نتائجه عكسية .

 

وبالتالي نحن أمام “نظرية الدومينو”، كافة الرهانات تتساقط واحدة تلو الأخرى .

 

وأول ملاحظة هامة يمكن أن نكتشف مفادها، أن المساس بالخط الأجتماعي هو أخطر الرهانات التي يمكن أن تفقدها الدولة، لأنه لن تبدأ حالة غضبه بإنذار مبكر ولا تملك مقياس لردود أفعاله، في ظل خلل أفضى بنا إلى هذا المصير ، ورفع من سقف تجاربنا الفاشلة واحدة تلو الأخرى .

 

ويقول منطق الحكم الأبدي، أن منبع قوة الأنظمة الديمقراطية هو حب شعوبها لها واصطفافها بجانبها وخلفها، بشرط أن تكون القيادة على قدر من المسئولية، ولذا يجب على هذه “الأنظمة” عند إحساسها بالخطر الإسراع فى إقرار إصلاحات جوهرية تصب في صالح شعوبها وليس أفراد بعينهم أوجماعات المصالح ، وفى الحالة المصرية يستلزم على الرئيس القيام  بإختيار “رجال أكفاء” للقيام بهذه المهمة ، ضمن برنامج هيكلي يركز على تطوير منظومة التعليم والعدالة الإجتماعية والصحة والإعلام.

 

المنظومة السياسية ليست في حد ذاتها مفادا للشعب المصري، لكن العيش هو أولوية قصوى وهو أول ما تصدر شعار  ثورة يناير وأيضا 30 يونيو “عيش ، حرية ، عدالة اجتماعية” .

 

وبالنظر الدقيق نجد أننا أمام أزمة اقتصادية، تهدد هذا العيش “ارتفاع الأسعار، انهيار سعر الجنيه، وصول عجز الموازنة لأرقام فلكية، اختلال الميزان التجاري ، وزيادة معدلات الفقر والبطالة والتضخم”، وحزمة من القرارات الاقتصادية الصعبة بانتظار المصريين .

 

قواعد اللعبة السياسية تقتضي صياغة معادلة واضحة وصريحة ولها أهداف محددة تتعلق بتحسين مؤشر الثقة في العلاقة بين الشعب والنظام الحاكم والسلطة التنفيذية، حتى يمكن لهذا الشعب أن يأخذ قرارات الحكومة على محمل الجد ويقيمها بعدل لها مالها وعليها ما عليها ، دون أن يدون حكم مسبق برفض كافة ممارسات الحكومة التي لم تصدق معه حينما قالت أن هدفها الأول تحسين مستوى معيشة المواطن ورفع مستوى رفاهيته، فيما أشارت وأكدت الممارسات على أرض الواقع خطأ نسبي في ذلك.

 

بينما المعادلة الاقتصادية تقتضي إعادة توصيف الوضع الراهن وإعادة وضع المستهدفات الاقتصادية والتنموية والتركيز على القرارات التي تضع حدا للأخطاء والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد على صعيد السياسات المالية والنقدية والتجارية ولكن دون أن تؤثر الخطط الموضوعة لذلك على الطبقة الاجتماعية الدنيا أو الفقيرة التي أثقل كاهلها بهموم لا تستحقها ، والطبقة الاجتماعية الوسطى التي باتت مؤشرا لمقياس العدالة في الدول المختلفة ، فيما أخذت في الاختفاء شيئا فشيئا في المجتمع المصري لتنضم للطبقة الفقيرة، كنتيجة طبيعية لتراجع مستوى الدخل الحقيقي بدافع من تراجع القوى الشرائية للنقود من ناحية، والزيادات المحدودة في الدخل النقدي أو انعدامها من ناحية أخرى.

 

وحينما نتحدث عن الاقتصاد لا يمكن أن نفصل بينه وبين العدالة ونضع كل عنصرا منهما في محور منفصل، نظرا لأن السياسات الاقتصادية والتنموية منها سياسات عادلة، ومنها سياسات غير عادلة، وبالتالي فمسألة العدالة لابد طرحها حينما نبدأ في تناول أو تقييم السياسات الاقتصادية، فكلنا على مرأى ومسمع بالاوضاع الاجتماعية المتردية التي تشهدها البرازيل في الوقت الراهن والتي جاءت نتاج طبيعي لتخلف الحكومة أو السلطة التنفيذية عن النهج التنموي الاجتماعي الذي وضعه الرئيس الاسبق لولا دا سيلفا والذي ساهم في تحقيق تنمية اجتماعية إلى جوار التنمية الاقتصادية بل ومستندة عليها، ووجه السياسات الاقتصادية لصناعة نموذج تنموي يكفل عدالة توزيع الثروة والدخل والفرص، ويحفظ الحق في التعليم لمن لا يملك الثروة ، والحق في الصحة لمن لا يملك المال ، والحق في العمل لمن لا يملك العلاقات والحق في الحياة لمن انتمي إلي مجتمع الأنسانية .

 

فاهمال النظام الاجتماعي في الدولة ومتطلبات استقراره لفترة طويلة يعد بمثابة قنبلة موقوتة ، لا يمكن أن تتوقع وقتا لانفجارها، أو حجما لآثارها أو  مقياسا منطقيا لمداها، فهي ليست كأزمة الدولار التي ظهرت بأيدي صناع غير بارعين للقرار في الدولة أهملوا تنمية موارد الدولار والعملات الأجنبية كالسياحة والاستثمارات الأجنبية والصادرات وتحويلات المصريين بالخارج، واعتمدوا على تحقيق أهداف تتعلق باستقرار العملة والقضاء على ظاهرة سعري الصرف فقط من خلال تحسين مؤشرات ادارة السياسة النقدية والاحتياطي الأجنبي ، كمن ترك مصدر المياه يجف لصالح الاهتمام بتحسين توزيع الكمية المتاحة.

 

ومن باطن المشكلة يأتي الحل متمثلا في صياغة سيناريوهين أحدهما قصير الأجل بتدبير موارد مؤقتة للدولار سواء عبر قروض او منح أو غيره، بينما الثاني على الأجلين المتوسط والطويل ويتعلق بتنمية الموارد الدائمة للدولار مع تحسين مؤشرات أداء صناع قرارات السياسة النقدية وسياسة الصرف الأجنبي.

 

وكذلك فإن مشكلة إهمال النظام الاجتماعي  ليست كمشكلة تباطؤ النمو الاستثماري الناتج عن عوامل عدة يأتي في مقدمتها استمرار الترهل في الجهاز الاداري للدولة ولاسيما الأجهزة ذات العناية بشؤون المستثمر، وتقلص مصادر التمويل بأثر مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في الحصول على التمويل اما لتنفيذ مشروعاتها التي لم يتقن حساب جدوى كثير منها، أو لسد العجز المتنامي في الموازنة العامة والذي لا يزال يذهب جزء كبير منه لتمويل بنود صرف مبالغ فيها ، فضلا عن عوامل خارجية تتعلق بتراجع الطلب في السوق العالمي وتباطؤ حركة الانتاج والاستثمار والتشغيل بأثر مجموعة من العوامل في السواق العالمي ومجموعة الاقتصاديات الفاعلة في اوروبا وشرق اسيا.

 

وبالتالي على الدولة أن تعيد حساباتها ، وتعيد تحديد العناصر التي تراهن عليها ، وأن تجعل العمل هو سبيل اختيار هذه العناصر وأن تحدد اولوياتها وفق معايير واضحة يمكن أن تستخلصها من تجارب الأمم الناجحة ، أو من أحكام المنطق . !

 

 

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>