أزمة الصحفيين .. وإختبار “دولة القانون”!

alt

ألعن هذه الفلسفة المقيتة التى توجهنا للا شىء ، خاصة تلك المرتبطة بالتنديدات والانتقادات التى لايعيرها أحدًا اهتماما ، هكذا كان ردى على سؤال عابر حول رأيي فى تصعيد نقابة الصحفيين ضد الداخلية بعد اقتحام قوات الأمن لها ،

والتى أرى أزمتها جزءًا أصيلًا من مجمل أزمات الشأن العام المصري الذى أراه قائمًا أمينًا ومؤمنًا  بنظرية ” هكذا وجدنا أباءنا ” ، فى التعامل مع العديد من الملفات الحيوية ، فى توقيت يحلم فيه الوطن بإرادة شعب حقيقية وشعب يحلم بوطن العدالة ، فكل على شاكلته يمتلك أبجديات الحب من أول نظرة ، لكنه لايعرف كيف يحافظ على هذا الرابط  فيضيع الحب فى المواجهات المباشرة وعلى أعتاب وقائع الحياه.

فأزمة اقتحام نقابة الصحفيين من الأمن وإن كانت الأولى من نوعها ، لكنها جزء من نسيج أزمات لاينتهى يخرج من “مشكاة” واحدة ، بمرجعية سوء التصرف والتدبير ، فقرارات مثل هذه يجب أن تنعم ضمنيًا بالشفافية وبالقانون خاصة إذا كفل القانون لها ذلك ، حتى نضع خطًا فاصلاً بين الهدف من القرار ومسبباته ، ناهيك عن فتح حربًا مع جماعة لاتعرف سلاحًا إلا “القلم” فى مواجهة من يسىء إليها ، خاصة وإن كانت تخوض حروبًا يوميًا من هذا النوع ، وباتت أقوى من أن تكسر أو تترك حقها يضيع على أعتاب الحوار والمناورات السياسية .

فكيف ستضع الحرب أوزارها ؟

أن مثل هذه الحروب يطلق عليها تاريخيًا بـ”الحروب الغبية” التى تنشأ نتيجة تصرف غيرمسئول لم يهتم بردود الأفعال في الأصل والمبدأ حتى وإن حظت بدعم واسع وهمي من قبل البعض ، فمتخذى القرار نسوا أن القانون يجب أن ينفذ فى الوقت المناسب والمكان المناسب ، وأن يراعي أولا بأول قاعدة فقهية تقول ” درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ” ، فى ظل أنه اعتداء فردي لكنه على أحد أفراد عائلة كبيرة مؤمنة بحرية التعبير .

الجمعية العمومية الأخيرة للصحفيين كشفت من متابعتي لها لوجودي خارج البلاد ، أنها قررت اتخاذ الطرق الشرعية وليس غيرها للحصول على حقها فالاجتماع كان داخل مبناها والتنديد كان أمامها ، والمطالب كانت مشروعة ومحترمة ، ولا أعرف بالتحديد ماذا كانت تنتظر الدولة منها أن تبارك وأن تخرج قياداتها وتقول عاشت الداخلية مثلا ، أو أن تخرس وتصمت للأبد .

الغريب فى القضية ، ليس أن الداخلية لم تعترف بالجرم الذى قامت به كما يقول دائما نقيب الصحفيين ، ولكن هو أن أجهزة الدولة لم تنفض يديها بعد من القضية بل قررت توسيع دائرة الصراع وإقحام العديد المؤسسات فيها بدون سبب ، بل والأخطر هو دخول الشعب كطرف أصيل فى القضية ، حتى أن إعلامى زميل خرج علينا باستفتاء عالمي ومهنى استمر على قناته الفضائية لأيام ، استعان فيه ضمنيًا بجملة الفنان محمد صبحي الشهيرة فى مسرحية “تخاريف”

هل أنت مؤيد لوزارة الداخلية ، أم أنك لاقدر الله من مؤيدى نقابة الصحفيين ؟

مستخفًا بقوم ، بات ليل نهار يدغدغ فى مشاعرهم ، ويزور الحقائق لهم ، بل ووصل الأمر لحشدهم والتحدث بإسمهم  فى سيمفونية الفتنة القاتلة .

وفي الحديث الشريف في صحيح الجامع ” ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ” .

وقامت جهات أخري تابعة للدولة هى الأخرى بحشد من يسمون بـ “المواطنين الشرفاء” لمحاصرة النقابة والرقص على أعتابها ، لتهديد الصحفيين وإرهابهم والحط من كرامتهم ، وتوجيه السباب والشتائم حتى أن صحفيي مجلة أموال الغد والذين أصروا جميعًا على تمثيل المجلة فى الإجتماع والمشاركة ، قالوا لى أن أحد هؤلاء المواطنين أخد يتابعهم ويصيح فى وجههم ياكفاااار ياكفااار ، وكأنهم كانوا فى “اجتماع وثني” يدعوا لإعتناق دين جديد .

المضحكات المبكيات فى هذا الوطن ، أنه لا أحد يرغب فى الاعتراف بالخطأ وتصويبه ، بل الأدهى هو أن يصبح الخطأ مع مرورالوقت هو الشىء الصحيح الذى لا يأتيه الباطل ويكون له مشجعين ومريدين ، وأن تصبح الكوارث عادة نستقبلها كل يوم بمنطق التعود والبلادة .

وهذه المسببات برمتها وعدم إدارة الأمور بمنطق الضمير ، دفعت الإخوان والتيارات المعادية للنظام المصري الحالي للدخول على الخط لإرباك المشهد بشكل كامل ، والانتصار للصحفيين فى مواجهة الداخلية لإثارة وتشتيت الرأي العام ، ولكن بمنطق فئة باغية “الداخلية” هجمت على فئة باغية أخري “الصحفيين”، ولو كان العكس صحيحًا لانتصرت للداخلية ضد جبروت الصحفيين .

وعلى الخط أيضًا خرجت الصحف الأجنبية لتنقل المشهد فى ثوب أزمة طاحنة وصلت إلى أن “التايمز” قالت فى تحليل لها ، أن هذه هي المرة الأولى التى يتعرض فيها السيسى وحكومته إلى احتجاجات من صفوف “الموالين للحكومة” ، منذ وصوله إلى الحكم عام 2014 ، ونقلت التايمز عن منظمة حماية الصحفيين ، أن مصر اليوم من أكثر بلدان العالم سجنا للصحفيين مع الصين ، إذ يوجد بها 29 صحفيًا خلف القضبان.

كل هذا الزخم الذي يدور حول الدولة المصرية في الداخل والخارج جاء نتاجًا لعدم إعمال القانون وعدم تطبيقه والإصرار علي تفصيل مواده بما يناسب الكثيرين من ذوي النفوذ والسلطان في الدولة ، في إصرار كامل علي التعامل بين فئات المجتمع بمنطق “السيد والعبد” فبعض الفئات تري نفسها معصومة من الخطأ حتى وإن أخطأت كما تري أيضًا أن كافة الفئات المجتمعية الأخري وجدت لكي تخدمها وتحقق أمانيها.

فلو طبق القانون المنظم لدخول الأجهزة الأمنية لحرم نقابة الصحفيين ، لما ظهرت هذه الإشكالية وما كانت الدولة لتدخل في حالة الهرج والمرج التي أكثرت عنها الحديث في الخارج بشكل سلبي يتعلق بتقييد الحريات وتكميم الأفواه ، حتى وإن كان ذلك بشيء من المبالغة !.

الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في انطباع الأخرين عن وطننا جميعا في مرحلة نحن أحوج فيها إلي التضامن والتكاتف من أجل رسم صورة أفضل عن مصر في الخارج ، تمهيدا لجذب كل الجنسيات لمشاركة مصر في تجربتها التنموية الحالية ودعمها حتى نخرج من أزمتنا التي نعانيها الآن سواء المتعلقة بتباطؤ نمو الاقتصاد مع الصعود الكبير في معدلات النمو السكاني الأمر الذي يؤدي لانعكاسات إيجابية محدودة للغاية علي مستوي معيشة الناس ، أو المتعلقة بأزمة التضخم وارتفاع سعر الدولار مع تراجع المعروض من العملة الصعبىة الأمر الذي يؤدي لتآكل القوي الشرائية للأفراد وإرهاق دخولهم بمستويات أسعار عالية للكثير من السلع الأساسية.

فضلًا عن مشاكل أخري لسنا بحاجة لزيادتها فيما يتعلق بترتيبنا بين دول العالم في مؤشرات التنافسية ومكافحة الفساد وغيرها بالإضافة لتقييمات سلبية لمناخ الاستثمار في مصر من العديد من المؤسسات الأمر الذي يؤثر في توجهات المستثمرين الأجانب للسوق المصري ، ويحد من اختيار مصر كوجهة محتملة لرؤوس أموالهم.

ولا شك أن هذه القضية المتعلقة بصراع الصحفيين مع الداخلية سيتم توظيفها في إبراز مصر كدولة مضطربة تعاني الكثير من الأزمات المحلية ، وكذا إبراز الصراع الأمني فيها مع بعض الفئات المدنية بما يضر بنظرة الكثيرين لنا ، خاصة وأن الناس في الخارج ومنهم المستثمرين يتأثرون بخبر أو كلمة تناثرت أمامهم عن دولة ما ، فهم ببساطة لن يسعوا لاستكشاف الحقائق عن هذه الدولة واختبار مصداقية ما نشر عنها ، ولكنهم ببساطة سيبحثوا عن دولة أخري لا يتناثر عنها كلمات أو أخبار سلبية حتى تصبح وجهة لأموالهم.

وفي ظل كل هذه المتغيرات والمعطيات الموجودة علي الساحة والمكشوفة للجميع بشأن الخلاف بين “الصحفيين” و “الداخلية” ، لو أردنا التحدث عن “الحل” ، فعلينا العودة أيضا للقانون ، الذي يؤكد أن ما فعلته الأجهزة الأمنية  بحق اقتحام حرم نقابة الصحفيين وما تم فعله بعد ذلك من منع الصحفيين والموظفين من دخول نقابتهم وإقحام بعض فئات الشعب في الصراع ، الأمر الذي تطور للاعتداء علي الكثير من الصحفيين دون وجه حق يعد انتهاكًا واضحًا للقانون ويتطلب “المحاسبة” للمسئول الأول عن هذا الخرق الذي أثار أزمة لا داعي لها ، وحتى نثبت للعالم أجمع بأننا بالفعل كما ندعي في الخارج والداخل “دولة قانون” وأن لهذا القانون “سيادة” وأن سيادته تطبق علي “الجميع” بمن فيهم الغفير و “الوزير” !

لنصنع التغيير بالمبادرات الحسنة وقوة الضمير ، ولنقتل داخلنا الغطرسة العفنة التي لاتبني وطنا ولاتؤسس لمستقبلًا ، أخاف أن يكفر به كل المجتمع فى القريب العاجل .

فاستقيموا وتعانوا لبناء دولة العدالة والحرية ، فالمؤسسات باقية والأشخاص زائلون .

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>