“الوطن” الضاحك الباكي

alt

أصبحنا في صدارة الدول التي تتحدث وتتكلم يومياً عن أرض الخوف والإرهاب والقتل العمد “بيدنا لا بيد عمرو”، حيث أننا ننتمي لهذه المدرسة التي تبكى على اللبن المسكوب والهزيمة، وأيضا في صدارة الدول التي تتحدث عن أرض الأحلام والنعم، والتي تجعل “ابن العمدة” منتصرا حتى ولو سكع على قفاه .

تحولت مدننا إلى ما يشبه مشاهد السينما المثيرة، التي تجعلك في حالة ما “من الضحك أو البكاء” ، المهم أن تكون بعيداً كل البعد عن الحالة الطبيعية التي يجب أن تكون عليها وتقيم أمورك على أثرها، فالتأثير على مكنونات الشخصية هو جوهر اللعبة اليومية التي يتفنن كل واحد فيها “كل على حسب موقعه ومكانه”، فما الذي يمنع من خناقة يومية مصطنعة تدفعك نحو الانتباه والتحدث عنها وتفسير أسبابها وتفاصيلها الدقيقة التي هي “محبكة جدا ” لأصحابها ، لكن الجمهور لا يعرف أنها معدة سلفا وينتظر المزيد بشوق في الصباح عبر تصفح هاتفه المحمول، لعله يجد مصيبة يبلل بها شفاه، أو لعله يجد مشكلة “تيك واي” بين شوبير ومرتضى منصور، أو لعله يندفع تحت عجلات تصريح “اكسبرس” بأن كل شيء على ما يرام وأن الفوسفات مفيد جدا إذا ما غرقت سفينة مليئة بالفوسفات في نهر النيل !.

إنها الأسطورة آخي “المواطن”، أن تركب الموجة وتندفع نحو العمق على “لوح” يبدو أنه من نوع فاخر، في رياضة مبنية على ركوب الموجة للتزحلق فوق الماء بسلاسة، والتزحلق وسطها قبل أن تتكسر، أنها الأسطورة في “كم” عدد الموجات التي نتفنن في التزحلق عليها يوميا قبل أن تتكسر؟ وتتحول إلى أرقام سواء في عدد القتلى أو حتى أرقام الاستثمارات التي نستهدف جذبها، فقط  لغة الأرقام هي المسيطرة على النشرات الإخبارية والبرامج السياسية، ويجدد الاعلاميين إحصائيات القتلى والجرحى بأصوات “صامتة” المعنى والهدف مع قليل من الموسيقي الكلاسكية .

ومن العجيب أن أمواجنا البائسة كلها متشابهة المضمون والشكل، فإذا ما قررت أن تكتب كلمة “غرق”على محرك البحث جوجل ستجد على التوالي غرق مركب الوراق، مرورا بحادث عبارة السلام 98، والتي راح ضحيتها مئات المصريين، وانتهاءاً واستثناءاً بغرق فرعون الذي عاند وتجبر، كل هذه الدلالات تعبر عن حالات من الواقع المصري البائس الذي يصطدم دائما بالنية المبيتة، التي عنوانها الدائم اللامبالاة والإهمال والاهتمام بشكل الأشياء من الخارج وليس تفاصيلها.

وإذا أردت أن تدقق في سعادة هذه الدولة سيجد أنها دائما خاضعة لممثلين من نوعية خاصة، بارعين في إقامة الفرح حتى ولو بدون عروسة أو عريس، وجادين جدا في استمالة الناس نحو أشكال جديدة للفرح، فما المانع أن تركض خلف عضو مجلس شعب تهتف باسمه وبروحه من أجل التقرب والتودد،  وما المانع أن تخرج في مظاهرة حاشدة للانتصار بدوري كرة قدم، وما المانع أن تطرق أبواب الفرح على عرس ديمقراطي أو حدث اقتصادي ضخم ينتهي بزوال السبب، فنحن نصرف الدواء الذي يسكن الآلام ليوم واحد وبمجرد انتهاء مفعوله نعود للتألم من جديد.

هذه المقدمة التي سطرتها تندفع في تفسير المشهد المصنوع في مصر، والذي يتكون من 4 فرق في الصورة لا خامس لهما، يصنعون الفرح والحزن في وقت واحد، وهم أنك تنتمي لنظام قائم تراه انه يحرك المياه الراكدة ويحاول جاهداً أن يصنع فرصة تخرج البلد من أزمتها الاقتصادية، أو أنك تنتمي لنظام ولى وطويت صفحته، أو أنك غير مبالي بما يحدث وليس في دائرة اهتمامك أن تهتم في القريب العاجل، والفئة الرابعة هي الأخطر وهم مجموعة المنافقين والمتلونين والمنتفعين المستفيدين دائما والذين يستغلون الإعلام المستقل والحكومي والأموال المتحالفة معهما، لاستمرار الاستبداد والتطرف والجهل ومن ثم الإرهاب، وتغذية الروح المصرية بجينات الهزيمة أحياناً وبجينات الفرح من غير سبب في أحيان أخرى.

وإذا ما خرج علينا أحد بالتأكيد على أن الإرهاب هو جزء من المجتمع كما يحاول البعض الآن فرض هذا المصطلح، فهذا من المبكيات المضحكات التي أتحدث عنها، فالإرهاب ما هو إلا حدث عارض سينتهي عاجلاً أو آجلا  لأنه جزء لا يصلح معه منح الفرص أو تسامح ونهاياته مأساوية بالتأكيد، لكن الأخطر منه هو تسويقه بهذا الشكل المتنامي في الإعلام بأن مصر تحارب الإرهاب وضع بعد هذه الكلمة نقطة في قراءة ميتة للمشهد بطل مفعولها منذ سنوات.

فالكثير من المصريين أصبح لديهم خلال الفترة الماضية حالة من اللامبالاة بالنسبة للدماء والقتل وهذا عارض خطير يجب أن تتوقف منابعه المغذية، وإذا سقنا مثال واحد لهذه الحالة فلنراجع مقاطع الفيديو التي تم نشرها في حادثة مقتل شيماء الصباغ والتي أظهرت جانبا آخر في تغيير الحالة النفسية للمصريين، فعلى بعد خطوات من جثمان الصباغ، وقف أحد المارة يدخن سيجارته، بينما ظهر عدد من المارة غير مهتمين بشهيدة سقطت بالقرب منهم، فيما ظهر بعضهم جالسين على المقاهي القريبة من موقع الحادث دون أن يتحرك لهم ساكن، الأمر الذي أثار حفيظة عدد من علماء النفس.

كل هذا يدلل على أن مسك العصا من المنتصف هو الأصح في إدارة الدولة وليس الشطاط نحو الشمال أو الانحياز الكامل نحو اليمين، فتوابع زلزال هذه المشاهد التي مازلنا نشاهدها بكافة تفاصيلها بشكل شبة يومي، تدفعنا يوميا إلى نوع من الصراع يجب أن ينتهي بدءاً من أجهزة الدولة وانتهاء بحالة الردح على مواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب، فنحن أصبحنا لا نقيم بموضوعية ولا ننظر إلى الأمور من جانب الصالح العام، وكل طرف يريد أن يدافع عن وجهة نظره حتى ولو بالكذب بل وتصديق الكذب في بعض الأحيان والاقتناع به على انه حقيقة مجردة لا تقبل الشك.

تحتاج مصر الآن إلى تغذية حالة من الإحساس بالواقع وتلمسه، وليس الشطاط نحو البكاء أو الانجراف نحو الفرح، وذلك لنقلنا من حالة مونولوج السلطة إلى حوار “ديالوج” مع الشعب وذلك للوصول إلى حالة من التفاهم الذي يأتي من خلال دراسة احتياجات الجماهير وتلبية هذه الاحتياجات (بالحد الأدنى) وخلق نوع من التوازن بين مصالح الحكومات (التي تمثل مصلحة الوطن) ومصالح الشعوب التي تحتاج إلى تواصل دائم معها عبر تقديم المعلومة والتوضيح المناسب في الوقت المناسب، وإذا كان هناك اختلاف كبير في وجهات النظر يأتي دور العلاقات العامة (الحكومية) لتجد النقاط المشتركة وتهيئ الرأي العام لأية تنازلات تخدم المصالح الوطنية للدولة.

تحتاج قيادة مصر أن تعود بها لحالتها الطبيعية، وأن تتحرك بثبات نحو المستقبل، ليس بالمشروعات القومية فحسب، فالاقتصاد يحتاج دائما إلى استمرار المعادلة الديمقراطية والتعددية، ويحتاج أيضا إلي الوصول إلى حالة من الاتزان في الفعل ورد الفعل بين أفراد المجتمع، بحيث يكون القاسم المشترك بينهم ليس تشجيع فريق واحد ولكن التحرك داخل المعادلة الوطنية التي تقبل الجميع باستثناء من يرفع السلاح في وجه الوطن.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>