ومن المنظومة الإدارية ماقتل !!

alt

فى كثير من الأحيان لا تفهم طبيعة الأمور حولك ، ولا مايدور فى الكواليس ، خاصة وإذا كنت ماتريد أن تعرفه متعلق بدائرة السلطة فى مصر ، وكل طريق يؤدى إليها سواء كان مباشر أو غير مباشر،فالسلطة فى مصرغامضة المخططات، مركزية القرارت، ليس بمنطق قوة رئيس أو شرعيته، وإنما هي العادة والميكانيكية التى  تعمل من خلالها هذه المنظومة، التى تستمد قوتها من ترسانتها الضخمة المشيدة داخل مؤسسات الدولة.

وإذا أردت أن تعرف مفهوم وتركيبة هذه السلطة ، يجب أن تعى أنها “إرداة” تسير فى كل مؤسسات الدولة بكل جوانبها، تضع فى يدها كتلة ثقيلة من إرث قديم ورثته بالتوارث من عقود قديمة، تحكم به دوائر القوة حولها وتحتمى من خلالها من التغيير، ويدور فى فلكها ألاف من البشر المنتفعين والمروجين وأيضا المنافقين .

مسميات هذه السلطة عديدة ومتنوعة وليست هي مايدور فى خاطرك دائما ، كما أن لها ألف شكل لكن نتائجها واحدة ومعروفة مسبقا ، أحدهم يعرفها “بالروتين” وآخر يطلق عليها المحسوبية، أو البيروقراطية ، أو الرشوة، وصولا لـ”الدخان” بلغة الشارع و”ولاد البلد” ، أو حتى “الجهاز الإداري للدولة” بلغة الصحافة والكُتاب .

هذه هي السلطة الحقيقية ،التى تعرفها قيادات الشركات والمؤسسات التى يتعاملون معها يوميا ، لتسيير أعمالهم ، ويتعامل معها المواطن يوميا لتسيير مصالحه ، وأيضا يتخذ منها رئيس الدولة قوته وقدرته على بسط نفوذه وتنفيذ مخططاته ، وحكومته أيضا والتى وإن كانت على رأس الوزارات ، إلا أن الوزير يخضع للمنصب السياسي ، والدليل أن الوزير يرحل وموظفوه باقون إلى حد سن المعاش .

السلطة بهذا المفهوم ، عملت على إحداث فجوات فى منظومة هذه الدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وعطلتها وتعطلها عن تحقيق خطوات ملموسة فى طريق التنمية، وأصل أصول الفساد والبلاء ، وهذه المستويات المتدنية مصدرها فى الأساس  خلل هيكلى فى الجهاز الإدارى بمعنى أنها معطاة سلطة لكنها لا تخضع للرقابة الموضوعية الحقيقية وتمارس العمل بعد وقوع الجريمة ومن المفروض أن العمل الرقابى يبدأ بمنع المشكلات.

والسؤال المنطقى هو من الحاكم بأمره لهذه السلطة ؟ ومن يقف على بوابات طرقها يراقب ويحصل الرسوم ؟

الإجابة ببساطة لاتحتاج إلى تآويل خاصة إذا كانت متعلقة بمنظومة على رأسها ، مايسمى بالوسط المفقود فى معادلة التغيير ، وهى الفئة التى تُسير الأمور من وكلاء وزارات ومديرين مكاتب ورؤساء محليات ، والذين يديرون الأمور ببطء العادة والتعود فى المنصب ، وعدم الاحساس بمسئولية إحداث التغيير فى المهمة المنوطة به ، فيكفيهم “شرب الشاى” على المكاتب والتفرغ لصراعات الموظفين، ومن يهدده فى منصبه “المقدس”، وإرسال خطابات شكوى كيدية إلى الإدارات المركزية .

وبالتالى كيف يفاجأ أحد بالنتائج الهزلية التى نحصدها فى النهاية؟!!

الرئيس عبد الفتاح السيسي فى بدايات حكمه وجه الحكومة إلى تنفيذ محاور الإصلاح الإداري بدقة وعدالة، وإعادة النظر فى الدرجات الوظيفية وهيكل الأجور، لكن هل هذا كاف فى ظل موروثات قديمة تكاد تكون مقدسة، تنخر فى عصب الجهاز الإدارى للدولة، وفساد متفشي في كل مؤسسات الدولة زرع على مدى سنوات طويلة نتيجة سياسات سلطوية كان هدفها المصلحة الشخصية ولاغيرها.

والكارثة الحقيقية أنه لم تتخذ أية خطوات اتجاه نزع هذا الفتيل الذى ينفجر يوميا فى وجه المواطن والمستثمر ورئيس الدولة أحيانا!

والنتيجة أن الموازين الاقتصادية والتنموية تتغير فى مختلف دول العالم التى تشبه الحالة المصرية، بينما نحن نتفنن فى إهدار الفرص التنموية مما قفز بمعدلات الفقر إلى 25% حتى الآن، ودفع بمعدل البطالة لبلوغ 12.9% فيما ربط مؤشر التنمية عند 2% في متوسط السنوات الثلاثة الماضية، وهذا يؤشر لتراجع في محوري التنمية والعدالة المسئولين عن حركة النهضة والصعود الاقتصادي والاجتماعي لأي أمة ترغب فى أن تتقدم!

وفي سياق مؤشراتنا نجد أن مؤشر التنافسية العالمى كشف أن ترتيبنا 119 من 144 دولة، نتيجة لتراجع مناخ وبيئة الاستثمار في مصر الذي يقيده “الروتين” ويهدده “الفساد” ويحد من إيجابياته العقلية المتحجرة لدي أجهزة الدولة ذات العناية بشئون المستثمر، كما انخفض ترتيب مصر في مؤاشرات “المتطلبات الأساسية” من المرتبة (110) في عام 2012-2013 إلى المرتبة (121) في 2014-2015 محققًا 84%.

هذه الحقائق وغيرها مستثمرة وستستثمر فى معاقبة أية خطوات من الممكن إتخاذها فى طريق التنمية التى تستهدفه الدولة فى الوقت الحالي ، خاصة وأننا منذ شهور قليلة عقدنا قمة اقتصادية كان هدفها الاول جذب استثمارات أجنبية إلى السوق المصرية وأعلنا عن حزمة من القوانين هدفها التسهيل والإتاحة للمستثمر الأجنبى ، إلا أننا لم نع أننا نقف فى نفس المحطة ننتظر نفس الحافلة حيث أنه لاجديد فى سلسال أجهزة الدولة المتحجرة والتى وإن دخلها مستثمر للتعامل معها أو لطلب العون لن يخرج إلا للمطار هاربا أو قاصدا وجهة أخري لاستثماره.

ولم أفاجأ حقيقية بخطوات الرئيس اتجاه إعادة هيكلة رئاسة الجمهورية منذ أيام قليلة ، بعد سلسلة من الأخطاء الكارثية لمطبخ السياسات العامة ، مما تسبب فى حالة من الارتباك وعدم الاحترافية فى تناول العديد من الملفات بسبب العشوائية فى الأداء ، والتى ظهرت فى الفترة الأخيرة في أكثر من مناسبة.

إلا أن هذه الإجراءات تحتاج الى اجتياح كافة الأجهزة عبر المدخل الرئيسي للإصلاح وهو مكافحة الفساد المتوغل والمتوحش فيها، والتعبير بأحقية أن يمتلك أصحاب العقول والمجهود أيضا زمام الأمور، وتسهيل طريقهم نحو التغيير، فالنمطية المصرية لاتحتاج إلى قوانين عاجية توضع فقط على لافتات الحائط أو فى أدراج المسئولين ، وإنما لمن يفتح الباب بقوة لحرق عش الدبابير.

فالدولة مطالبة فى الوقت الحالى بإعادة النظر في مفهوم التوظيف، وإعداد برامج عملية  للتأهيل والتدريب وإعادة توزيع الموظفين بشتى مؤسسات الدولية، فى ظل المعاناة من التباطؤ الاقتصادى وتردى الخدمات نحتاج إلى ثورة إدارية أو إعادة تأسيس الجهاز الإدارى للدولة عبر الفصل بين التخطيط والإدارة وممارسة العمليات اليومية أو التنفيذية للدولة، فالوزارات من الممكن أن تقوم بدورها فى وضع الخطط وتوفير التمويل واسناد الجزء التنفيذى لبعض شركات القطاع الخاص التى لا سبيل لديها إلا تحقيق النجاح للإستمرار فى السوق وتحقيق نسبة من الربح.

وقد طرح العديد من الخبراء فى مجال الإدارة هذه النظرية التى أثبتت نجاحا فى عدد كبير من الدول الأجنبية والعربية، فوزارة الصحة يجب ألا تدير المستشفيات بعد سلسلة الأخطاء والكوارث التى توجد فيها حاليا، ووزارة التموين يجب أن تسند بعض المهام للقطاع الخاص عبر التعهيد لبعض الشركات، وقد طبقت بعض الوزارت هذا المفهوم جزئيا عبر إسناد مثلا وزارة الاستثمار الترويج لعدد من المشروعات فى القمة الاقتصادية لبنوك الاستثمار ، أو حتى استعانة وزارة التعليم العالى بشركة فالكون لتأمين الجامعات المصرية وغيرها .

ولكن تطبيق هذه الأطروحات بشكل شامل يحتاج إلى العديد من الخطوات العملية ، والتشريعات الضرورية ، وأيضا الاستعداد بحسم وقوة إلى تصدى متوقع من قبل عدد كبير من المسئولين وقيادات الصف الثانى والثالث ، لأنها ببساطة ستنهى قنوات فاضت بمياه الفساد ، وستربك حسابات دوائر “المصالح المتبادلة ” ، التى أغنت ألاف على حساب ملايين ينظرون إلى الدولة فى الوقت الحالى مطالبين بالحسم والقوة وإرجاع الأمور إلى نصابها الصحيح ، لتحقيق قفزة تنموية حقيقية، وثقب جيوب من تسول له نفسه الطمع فى المال العام ، أو حتى التكاسل عن أداء عمله .

التغيير ليس أن تسلك الطريق السهل لتحقيق أهداف مؤقتة ترضى أهواء البعض أو حتى الكل ، لكن التغيير يحتاج إلى سلك الطرق الوعرة والصعبة لإزالة المطبات ومواجهة الخوف.

فمن يطلق رصاصة الرحمة على المنظومة الإدارية المتهالكة  فى مصر، ويستبدلها بإرادة الحق والعلم؟!!

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>