أسبقية المتفائلين تنجح في 2014

alt

تمر الأيام بحلوها ومرها، وذكرياتها التي لا ترغب في الرحيل، وأحداثها المتشابكة التي تأخذها من روحنا وأحلامنا، وطريقتها الأزلية القدرية التي تفرق بيننا وبين أحبائنا، ومستقبلنا المعلق بها، هل تحمل لنا ساعات أفضل أم أن القادم أسوأ .

فهل نودع عاماً جديداً بأسبقية المتفائلين،الذين لا يرغبون في النظر الى الخلف، أم بمشاكسة “أولاد السو”الذين لا يحلمون سوى بأنفسهم ودوائرهم المغلقة والمغلفة بتراب يلقونه في وجه حسادهم، الذين حسب ظنونهم المريضة لا يرغبون لهم خيراً أو يريدون مشاركتهم في كعكتهم السنوية.

أظنني أميل إلى الفئة الأولى، فإذا كانت الأيام تمر لماذا أنا أيضا لا أترك الأمور لخالقها، فمن منا يملك قواعد اللعبة، ومن منا يراود زمام الأمور فتخضع له، فالعمل والعبادة هما الأليات التي نملكها للحياه، والنتائج هي بيد الله سبحانه وتعالى.

فكل منا يشكل جزءا من هذا الوطن، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، فالحياه لا تستقيم الا بقوى الخير والشر حتى نتعرف على الطريق الصحيح وحتى يُميز الخبيث من الطيب.

وبالتالي لن أقيم تجربة الدولة في عام وفقا  لزفة “المطبلاتية” الذين يطالبون بالخضوع للانطباعات المسبقة، وأيضاً إلى نتائج رمي الشباك التي لا تفرق بين الأسماك الكبيرة والصغيرة، ولن أنزلق أيضاً على ثلوج “المتربصين” الذي لا يرغبون خيراً لهذا الوطن، ويفضلون سماع الأخبار السيئة حتى ولو كانت حادثة على الطريق.

فالمنطق يشير إلى تحسن ملحوظ في هذا العام عن سابقيه، في نظرة شاملة، فالشارع أصبح أهدأ، والرؤية السياسية والاقتصادية للدولة أصبحت متشابكة وفقاً لخطط محكمة راغبة في الحصول على نتائج في أقرب وقت، كما أن تقبل الناس للقرارات أصبح أكثر وعياً وليس أدل على ذلك من قرار رفع أسعار الوقود الذي كان ضرورياً وأيضاً كان خطراً في ظل حالة متوقعة من الغليان، وأيضا في تواجد جماعات ترغب في إشعال الأزمات .

ولا شك أن أجراء الانتخابات الرئاسية منتصف العام واختيار رئيساً جديداً للبلاد، كان الحدث الأبرز والأهم في عملية تصحيح المسار الثانية التي بدأت منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي، حيث كشفت عن شكل التوجه القادم لمصر، وتوطين قواعد اللعبة بالأسلوب الأمثل للتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية التي لا تخفى على أحد.

فالنظام الحالي لعب منتصف شوط فقط خلال العام الماضي، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية حسمت في يونيو الماضي، حيث أسس هذا النظام قواعد جديدة للاقتصاد تتمثل في فرض قوة الدولة ولو بالإجبار بعد فترات من الوهن في حكم مبارك والأيدى المرتعشة التي لازمت فترة مرسي، كما أمن المشروع الاقتصادي “بظهيرا سياسيا” مفاده أن دول الخليج خاصة السعودية والكويت والإمارات، لديها قناعة بضرورة أن تلعب دوراً كبيراً في إعادة إصلاح منطقة الشرق الأوسط، وتحقيق صحوة عربية سياسية واقتصادية وتنموية كبيرة، لمنع تكرار الظروف التي أدت إلى حصول الإخوان على السلطة في مصر.

وكشفت خطوات النظام خلال العام، وعيا شديداً اتجاه  ملفات التنمية والعدالة خلال هذه الفترة، حيث لجأ للخيار الأصعب حتى يؤهل الاقتصاد للنمو وهو “الانكماش المالي” الذي ظهر من الإنحصار في الإنفاق العام للدولة بتخفيض الدعم بمعدلات كبيرة، وتوسيع مصادر الايرادات العامة بفرض “ضرائب” جديدة حتى يُحسن المركز المالي للدولة ويهبط بنسبة عجز الموازنة لكي يضمن “سيطرة نسبية” على الدين العام، فتتحسن مؤشرات تقييم المركز المالي للدولة في عيون المؤسسات الدولية المانحة والمستثمرين داخلياً وخارجياً فترتفع معدلات الاستثمار والانتاج ومن هنا تأتي “التنمية”.

أما فكر “السيسي” في العدالة فقد كشفت “قراراته” أنه يعاود لأذهان الشعب كلمة “شد الحزام” اليوم حتى يمكننا تحسين مستواك المعيشي في القريب العاجل ..عن طريق تطبيق قرارات تقشفية “تؤثر سلباً” على الفقير في الوقت الحالي كرفع سعر “المواد البترولية” حتى يمكن دفع قطار التنمية “كما ذكرنا” على أن تنتهج الدولة سياسات مستقبلية عادلة في توزيع ثمار هذه التنمية فينهض الفقير من عثرته.

وفي توجه للم شمل المصريين نحو أهداف كبرى وغايات محددة، تميزت المرحلة بإطلاق عدد من المشروعات القومية مثل مشروع شق قناة السويس الثانية وتنمية المحور المحيط وكذا تنمية الساحل الغربي بالإضافة إلى إنشاء المليون وحدة سكنية وزراعة 4 ملايين فدان، وذلك بهدف تحسين وضع الاقتصاد المصري ودفع عجلة الاقتصاد وزيادة معدلات النمو، بالإضافة إلى تغيير نظرة العالم لمصر وجذب مزيد من المستثمرين في ظل انخفاض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الثلاث سنوات الماضية.

وأظن أن هذه النتائج ستأتي بثمارها خلال العام المقبل وليس أدل على ذلك من تحسن التصنيف الائتماني لمصر من عدداً من المؤسسات كموديز وفيتش، لتمثل دلالات على استقرار الوضع السياسي والأمني والتعافي الطفيف لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى سلسلة إصلاحات مالية ستؤهل لطفرة متوقعة في معدلات النمو الاقتصادي.

وإن كانت تللك التعديلات لا تكفي بالضرورة للتعبير عن التطورات الإيجابية التي تشهدها مصر على المسارين السياسي والاقتصادي وكذلك الإصلاحات الهيكلية التي تبنتها الحكومة في الفترة الماضية وأثرها على إحداث نقلة نوعية في إدارة الاقتصاد الوطني ودعم الثقة في سلامة الاقتصاد على المديين المتوسط والبعيد، إلا أنها في نفس الوقت حقيقية، خاصة وأن إتمام الخطوة الأخيرة من خارطة المستقبل  ستكون في مارس المقبل عبر إجراء الانتخابات البرلمانية ، والتي أكن أنها ستكون “بشرة الخير” الرئيسية للأوضاع السياسية والاقتصادية معاً.

وإذا كانت كافة الدلالات تشير إلى تحسن ملحوظ على كافة المستويات، إلا أننا مازلنا نواجه مشكلات متعددة يجب حسمها والاقتراب منها حتى نضمن حصاد ما زرعته الحكومة على مدار الفترة الماضية، وأولى هذه المشكلات أن تجد الحكومة آليات محددة وواضحة لتحقيق مكاسب في المدى القريب للفئة الفقيرة والمهمشة، حتى تضمن استقرار مجتمعي يمهد لقبول مزيد من إجراءات الضبط والإصلاح المالي التي من المحتمل أن تمتد لفترة طويلة مقبلة في ظل حدة الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد خلال الفترة الحالية، وقد تتمثل هذه الآليات في تحريك مستويات المعاشات التي تستهدف الفئات الفقيرة ورفع مستوى المزايا التي يحصلون عليها .

كما أن المشكلة الثانية التي تتطلب معالجة فورية هي مشكلة تراجع مستويات الاستثمار في التنمية البشرية خلال الفترة الماضية والتي دفعت لتراجع عام في مستويات الآداء الفني والتكنولوجي للعمالة، ومن ثم صعوبة توطين الصناعات الهندسية والتكنولوجية عالية التقنية والتي من المتوقع وفق التقارير العالمية أن تقود حركة النمو العالمي خلال الفترة المقبلة.

كما يجب للدولة أن تبادر بتجهيز نفسها لملاحقة القوى الاقتصادية الصاعدة التي باتت تهدد نصيب الدول الأقل نمواً في حركة التجارة والاستثمار على المستوى العالمي فالهند والبرازيل وبعض دول الشرق الأسيوي أصبحت تهدد المكاسب المستقبلية للدول التي تليها من حيث القدرات الصناعية والتصديرية فتلك الدول الصاعدة باتت تنمو بمعدلات متزايدة في ظل نمو متباطىء في الاقتصاد العالمي مع احتفاظ الدول المتقدمة بأنصبتها وهو ما يصب في النهاية في تضييق الفجوة على دول “العالم الثالث” التي من بينها مصر، بما يتطلب معه الاستعداد لمنافسة أكثر شراسة لن تعترف سوى بالجودة والتكلفة والعلاقات المُيسرة.

أتمنى ان نحظى بعام جديد، يغير ما في قلوبنا ويشهد له الوطن بالصلاح، ويستكمل خطواتنا نحو الأمام، ولا يدفعنا بحماقة البعض نحو اللاعودة.

اترك تعليقاً

البريد الالكترونى الخاص بك لن يتم نشره. حقول مطلوبة *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>